من خلف القضبان إلى طريق التوبة.. الكنيسة تساند السجناء وأسرهم روحيًا وإنسانيًا
09.08.2026 15:29
اخبار الكنيسه في مصر Church news in Egypt
وطنى
من خلف القضبان إلى طريق التوبة.. الكنيسة تساند السجناء وأسرهم روحيًا وإنسانيًا
حجم الخط
وطنى

يُعد السجن من أصعب التجارب التي قد يمر بها الإنسان، خاصة عندما يجد نفسه خلف القضبان إثر خطأ أو جريمة عاقب عليها القانون؛ إذ لا تقتصر معاناته على فقدان حريته، وإنما تمتد إلى مشاعر الرفض الاجتماعي والوحدة والقلق بشأن المستقبل، فضلًا عن انشغاله بمصير أسرته وكيفية تدبير شؤونها في غيابه.

وانطلاقًا من وصية السيد المسيح: «لأَنِّي جُعْتُ فَأَطْعَمْتُمُونِي، عَطِشْتُ فَسَقَيْتُمُونِي، كُنْتُ غَرِيبًا فَآوَيْتُمُونِي، عُرْيَانًا فَكَسَوْتُمُونِي، مَرِيضًا فَزُرْتُمُونِي، مَحْبُوسًا فَأَتَيْتُمْ إِلَيَّ» (متى 25: 35-36)، تحرص الكنيسة على تقديم أوجه متعددة من الرعاية لأبنائها من نزلاء مراكز الإصلاح والتأهيل وأسرهم، لا تقتصر على الجانب الروحي، وإنما تمتد لتشمل الدعم الإنساني والاجتماعي والمادي.

فكيف تُنظَّم خدمة السجناء داخل الكنيسة؟ وما أبرز أوجه الرعاية التي تقدمها للنزلاء وأسرهم؟ وما الأهداف التي تسعى إلى تحقيقها؟ وما التحديات التي تواجه خدامها؟ وما المواصفات التي ينبغي أن يتحلى بها خادم السجون؟

للإجابة عن هذه التساؤلات، التقت «وطني» عددًا من المسؤولين والخدام المتخصصين في خدمة السجون، للتعرف عن قرب على طبيعة هذه الخدمة، وتنظيمها، ورسالتها، والتحديات التي تواجه القائمين عليها…

قبل السجن وبعده.. منظومة كنسية لمواجهة الجريمة ودعم السجناء

في البداية تحدثنا مع جناب القمص يوسف فهمي، سكرتير عام اللجنة المجمعية للحماية المجتمعية والوقاية من الجريمة، عن التنظيم الإداري للخدمة فقال إن خدمة السجون يرعاها قداسة البابا تواضروس الثاني، وتعمل من خلال اللجنة المجمعية للحماية المجتمعية والوقاية من الجريمة، برئاسة الأنبا دوماديوس ومساعدة الأنبا كاراس، والتي تختص برعاية نزلاء السجون والأقسام وأسرهم، إلى جانب خريجي السجون والمعرضين لدخولها والغارمين والمهمشين ومن لا يجدون من يرعاهم.

وأشار إلى أن عمل اللجنة يبدأ قبل دخول الشخص السجن، فور تعرضه لخطر قد يقوده إليه، مثل الديون أو الأحكام أو الانحراف إلى طريق المخدرات، حيث يتم بحث حالته من خلال لجان قانونية واقتصادية وروحية، بهدف مساعدته على تجاوز الأزمة. وفي حال دخوله السجن، تستمر الكنيسة في رعايته داخل الأقسام ومراكز التأهيل والإصلاح، إلى جانب مساندة أسرته خارج السجن.

وأشاد القمص يوسف بالتطور الذي شهدته مراكز التأهيل والإصلاح في مصر، والتي أصبحت تقدم للنزلاء برامج متكاملة تشمل التعليم والتأهيل المهني والتمكين الاقتصادي والرعاية الدينية، بما يساعدهم في العودة إلى المجتمع أفرادًا قادرين على العمل والإنتاج ومساندة أسرهم.

وأوضح أن الكنيسة تخصص لكل مركز كاهنًا أو أكثر، إلى جانب الشمامسة والمترجمين عند الحاجة، لتقديم الخدمات الروحية، ومنها القداسات واللقانات والنهضات وتسبحة كيهك، فضلًا عن خدام للتعليم وتوفير الاحتياجات المختلفة.

وأكد القمص يوسف أن خدمة الأقسام تحظى بأهمية خاصة، لكونها تضم المحتجزين مؤقتًا والمحكوم عليهم بعقوبات قصيرة، حيث تقدم لهم الكنيسة الدعم الروحي والنفسي، وتساعدهم على تجاوز صدمة الاحتجاز، إلى جانب التواصل مع أسرهم ومساندتهم قانونيًا واجتماعيًا.

وكشف عن حالات عديدة شهدت تغييرًا جذريًا في حياة بعض المساجين، الذين أكدوا أن السجن كان نقطة تحول دفعتهم إلى التعرف على الله ومراجعة حياتهم والابتعاد عن طريق الشر. وشدد على أن احتواء الكنيسة للنزيل وقبولها له في هذه المرحلة الصعبة يمنحه الأمل في أن دخوله السجن لا يعني نهاية حياته، وأن أمامه فرصة حقيقية للتوبة وتغيير السلوك والعودة إلى المجتمع.


بين التعليم والرعاية والحب.. من هو خادم السجناء؟

من جانب أخر قال جناب القمص يوحنا فايز، مدرس العهد الجديد ب”الأنبا رويس”، وخادم نزلاء الإصلاح والتأهيل، إن خادم السجناء يجب أن يتمتع بقلب مفتوح للجميع، وأن يتعامل مع النزلاء بالمحبة، انطلاقًا من الإيمان بضعف الإنسان وقدرته على الخطأ، وفي الوقت نفسه قدرته على التوبة والتغيير، مؤكدًا أن الماضي لا ينبغي أن يحكم على مستقبل الإنسان.

وأوضح أن خدام السجناء ينقسمون إلى عدة أنواع؛ فمنهم الخادم «المعلّم» الذي يتولى تعليم النزلاء كلمة الله، ومنهم الخادم «الكاهن» الذي يقيم القداسات ويقدم العظات، مستخدمًا اللغة العربية أو الإنجليزية بحسب الحاجة، كما يمارس من خلاله النزلاء سر الاعتراف، وأضاف أن هناك أيضًا خادمًا يتولى تلبية بعض الاحتياجات المادية للنزلاء، مثل توفير الطعام والملابس، إلى جانب تقديم الدعم الإنساني لهم، من خلال التواصل مع بعض الأسر والأشخاص ميسوري الحال، للمساهمة في توفير احتياجات النزلاء.

وأشار جناب القمص يوحنا إلى أهمية إعداد خادم السجناء إعدادًا خاصًا يجمع بين المعرفة العقائدية والروحية والخبرة العملية، إلى جانب التدريب على التعامل بالمحبة مع أشخاص ارتكبوا أخطاء وجرائم قاسية، وأكد أن إعداد خادم السجناء يبدأ بدراسة أسلوب المسيح في التعامل مع الخطاة، مثل المرأة السامرية والمرأة التي أُمسكت في الخطية، إلى جانب دراسة محبة القديس بولس الرسول ورعايته لأبنائه في الإيمان، موضحًا أن هدف الخادم الأساسي هو الاهتمام بالإنسان حتى يتغير ويتجدد وتتشكّل حياة المسيح فيه.

واستشهد بقصة أنسيموس، الذي التقى بالقديس بولس في السجن، فأصبح ابنه في الإيمان، قائلًا عنه: «ابني الذي ولدته في قيودي»، مؤكدًا أن بولس لم ينظر إليه من خلال ماضيه، بل رأى فيه إنسانًا قادرًا على التغيير، وهو ما ينبغي أن يقتدي به خادم السجون في نظرته إلى النزلاء.

كأس مهرجان الكرازة داخل مراكز التأهيل.. 120 نزيلًا يشاركون في المنيا
لم يقتصر التعليم الروحي في هذه الخدمة على الوعظ بل استطاع مهرجان الكرازة بكؤوسه الذهبية أن يخترق الأسوار والقضبان الحديدية ليربح النفوس، ومن الأخبار المفرحة خلال الفترة الماضية، تسليم كأس مهرجان الكرازة المرقسية لعام 2025 إلى العميد أحمد الخولي، مدير قطاع السجون بالمنيا ومدير مركز التأهيل رقم (1)، بحضور مسؤولي المهرجان بالإيبارشية، وذلك بعد مشاركة نزلاء مركز التأهيل في المهرجان للعام الرابع على التوالي، حيث بلغ عدد المشاركين نحو 120 نزيلًا بمحافظة المنيا.

فأوضح القس إيلاريون رسمي، خادم مركز التأهيل رقم (1) بالمنيا، أنه منذ تكليفه بخدمة مركز التأهيل رقم (1) بالمنيا «الليمان»، حرصت الخدمة على المشاركة في مهرجان الكرازة للعام الرابع على التوالي، من خلال شرح دروس المهرجان خلال اللقاء الأسبوعي مع النزلاء، بما يسهم في رفع الوعي الديني والأخلاقي والوطني لديهم، من خلال تنوع الموضوعات التي يتناولها المهرجان.

وأكد القس إيلاريون أن قطاع الإصلاح والتأهيل بوزارة الداخلية يحرص على إتاحة الدروس الدينية للنزلاء بصورة أسبوعية داخل مراكز الإصلاح والتأهيل، حيث تتضمن اللقاءات شرح موضوعات المهرجان، وتعليم الألحان وحفظها، إلى جانب إجراء الامتحانات للنزلاء المشاركين.

وبين أن الإقبال على المشاركة في المهرجان أصبح كبيرًا، إذ تصل نسبة المشاركين إلى نحو 80% من النزلاء، بينما يحول عدم إلمام بعضهم بالقراءة والكتابة دون المشاركة. وأشار إلى أن عددًا من النزلاء غير المتعلمين يستعينون بكتب خدمة البابا شنودة الثالث في تعلم القراءة والكتابة ومحو الأمية.كما أشار القس إيلاريون إلى حرص الكنيسة على توفير الكتاب المقدس وكتاب الأجبية لكل نزيل، بما يتيح له ممارسة صلواته الفردية والمواظبة على حياته الروحية.

رحلة التوبة تبدأ من خلف القضبان.. الكنيسة ترعى النزلاء وأسرهم

من زاويته، أكد الأستاذ أمير منير، خادم نزلاء مراكز التأهيل وأقسام الشرطة، إن الكنيسة تنظم زيارات أسبوعية للسجون، بهدف تقديم الدعم النفسي والروحي للنزلاء ومساعدتهم على التوبة واستعادة السلام الداخلي، إلى جانب تقديم مساعدات مادية لغير القادرين تشمل إعانات شهرية، وأدوية، وملابس، ومواد غذائية، فضلًا عن تقديم هدايا في الأعياد.
وأضاف الأستاذ «أمير»، أن تجربة السجن تُحدث تغييرًا إيجابيًا لدى كثير من النزلاء، مشيرًا إلى أن عددًا منهم يُرسمون شمامسة خلال الزيارات الرعوية السنوية التي يجريها نيافة الأنبا دوماديوس، بعد ثباتهم في حياتهم الروحية. وأوضح أن استجابة النزلاء للتغيير تختلف من شخص لآخر؛ فبعضهم يتوب منذ الأيام الأولى لدخوله السجن، بينما يحتاج آخرون إلى سنوات حتى يراجعوا أنفسهم، في حين تظل فئة أخرى رافضة للتوبة، مؤكدًا أن الكنيسة تواصل الصلاة من أجلهم وتشجيعهم على العودة إلى الله.

ونصح الأستاذ «أمير» كل من يسير في طريق غير مستقيم بالابتعاد عن كل طريق يقود إلى الجريمة، مؤكدًا أن الخطأ قد يُرتكب في لحظات، لكن عواقبه قد تمتد لسنوات طويلة، وربما تنتهي بفقدان الحياة. وأشار إلى أن السجن لا يعاقب الجاني وحده، بل تمتد آثاره إلى أسرته وأبنائه، داعيًا إلى التمسك بالقيم والإيمان بالله والتفكير جيدًا قبل الإقدام على أي تصرف قد يدمر مستقبل الإنسان وأسرته.

وكشف الاستاذ «أمير» أن الكنيسة تولي اهتمامًا خاصًا بأسر السجناء من خلال خدمة يشرف عليها الأرشدياكون يعقوب يسري، حيث تقدم لهم إعانة شهرية تصل إلى ألف جنيه، إلى جانب “شنطة بركة” بقيمة مماثلة. كما تنظم قداسات شهرية ولقاءات روحية في مختلف المناطق، يتبعها توزيع المساعدات، في إطار حرصها على تقديم الرعاية الروحية والمادية لهذه الأسر.

اترك تعليقا
تعليقات
Comments not found for this news.