يحتفل شعب كنائس شرق كندا بالعيد الثاني والعشرين لرهبنة نيافة الحبر الجليل أبينا الحبيب والمكرم الأنبا بولس، أسقف إيبارشية أوتاوا ومونتريال وشرق كندا. إذ تمت سيامة نيافته راهبا بدير البراموس العامر في 21 فبراير 2004. وكان نيافته قبل الرسامة طبيبا، وعرف باسم الراهب القمص بولس البراموسي، قبل أن تتم سيامة نيافته أسقفا في 9 يونيو 2019 بيد قداسة البابا المعظم الأنبا تواضروس الثاني بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية في مصر وبلاد المهجر
والتحق نيافته بسلك الرهبنة في 18 نوفمبر 2001، وسيم نيافته كاهنا في 7 مارس 2009، وخلال خدمته في دير البراموس العامر خدم نيافته في المشغل والمزرعة وعيادة الدير، بفضل تخرجه في كلية الطب البشري. وتم تجليس نيافته على كرسي إيبارشية أوتاوا ومونتريال وشرق كندا في 20 أغسطس 2019.
رعاية أبوية وتعليم الكتاب المقدس يصنع إنسانا روحيا في المهجر
منذ أن تباركت إيبارشية أوتاوا ومونتريال وشرق كندا بأبوة ورعاية وتدبير نيافة الأنبا بولس، تشكلت ملامح خدمة واضحة المعالم قوامها التعليم الكتابي العميق النابع من الكتاب المقدس حيث كلمة الله الحية والرعاية المباشرة للشعب، في إطار كنسي يجمع بين الروحانية والتنظيم والعمل الاجتماعي. فقد جعل نيافته الكتاب المقدس محورا للحياة اليومية، مؤكدا أن العلاقة مع الله لا تبدأ في السماء فقط، بل تبدأ بالاستعداد على الأرض، عبر الصلاة والصوم والالتصاق بكلمة الله الحية التي تقود الإنسان نحو الاستعداد للحياة الأبدية
وفي ترجمة عملية لهذا الفكر، أسس نيافته “أكاديميات القديس بولس – فيلسوف المسيحية”، وهي منظومة دراسية منظمة تمتد لأكثر من ثلاث سنوات، يدرس خلالها المشاركون الكتاب المقدس بعهديه القديم والجديد بثلاث لغات: العربية والإنجليزية والفرنسية. يشارك في التدريس كهنة ورهبان وخدام، بينما يحرص نيافته على لقاء الدارسين من مختلف الأعمار صغار وشباب وعائلات كبار سن، يتلقي نيافته بهم جميعا بصفة دورية في خلوات روحية تقام في ترينتي سنتر في منطقة فال دي بوا وغيرها من الأماكن، تتضمن عظات روحية وحوارات مفتوحة وإجابات على الأسئلة، إضافة إلى الصلوات والقداسات والتسابيح، لتتحول الدراسة من معرفة روحية إلى خبرة حياة معاشة علي الأرض.
ويمتد نهج أبونا الأسقف جزيل الاحترام الأنبا بولس إلى الرعاية والافتقاد الرعوي المباشر، إذ يجول بين الكنائس في مختلف مدن وأقاليم الإيبارشية، يفتقد الشعب ويتابع أحوالهم العائلية والعملية، في صورة راعٍ قريب من تفاصيل حياة أبنائه. وتتسم عظاته بالمنهجية والتسلسل والإقناع الروحي، ويقدمها بالعربية أو الإنجليزية أو الفرنسية وفق طبيعة الحضور، وأحيانا يمزج بين أكثر من لغة، بما يعكس طبيعة الخدمة في مجتمع متعدد الثقافات واللغات، حيث يوجد أكثر من لغتين في النطاق الجغرافي للإيبارشية وهما الانجليزية والفرنسية بجانب اللغة العربية بالطبع.
ويركز في عظاته وصلواته على تحفيز الإنسان علي ممارسة الأسرار المقدسة بروح الأبوة الحنونة والرجاء لا الترهيب والتخويف، فيشجع نيافته الجميع على الاعتراف والتناول باعتبارهما طريق للتوبة ومغفرة الخطايا والحفاظ علي نور الروح القدس متقدا داخلنا. ويؤكد دائما أن الله يفتح ذراعيه للجميع، وأن التوبة باب دائم لا يغلق. كما يدعو أن تكون البيوت “بيوت صلاة وبيوت طهارة وبيوت بركة”، موضحا أن البيت ليس مجرد مكان للسكن بل الإنسان نفسه باعتباره هيكلا لله مقدسا ومنيرا لأن روح الله ساكن فيه
ومن أبرز ملامح خدمة نيافته، رفضه لقب “سيدنا”، مفضلا أن ينادى “أبونا”، إيمانا بأن الأبوة الروحية تضحية، ومسؤولية ومحبة قبل أن تكون سلطة، وأن الكنيسة هي سكني الله وسط شعبه.
وفي تعليمه الروحي يركز الأنبا بولس على مفهوم “بني النور”، موضحا أن المسيحي ينال نور الروح القدس منذ المعمودية، ويثبته بالصلاة والصوم وقراءة الكتاب المقدس. لذلك يحفز الشعب على الحضور المبكر للقداس والتركيز في صلواته، خاصة في كنائس الإيبارشية حيث تصلي بأربع لغات: القبطية والعربية والإنجليزية والفرنسية
كما يولي نيافته اهتماما بالتداريب الروحية العملية لمواجهة شهوات الأنا “الذات” والجسد المادية والمناصب، داعيا إلى تجديد الفكر بتغيير الأذهان كما علمنا معلمنا بولس الرسول والتوبة الدائمة عبر أب الاعتراف، مؤكدا أن السقوط ليس نهاية الطريق بل بداية عودة جديدة، بعد الاعتراف والتناول من الأسرار المقدسة والاستمرار في حياة التوبة والعشرة مع الله.
وعلى المستوى الاجتماعي، لا تنفصل الخدمة والرعاية الروحانية عن الخدمة الاجتماعية، إذ يحرص نيافته على دعم أخوة يسوع “الفقراء”، ويدعو الشعب إلى التبرع وتقديم العطاء خاصة في أعياد الميلاد والقيامة المجيدة والمناسبات لمساندة الأسر المحتاجة، خاصة في مصر، عبر قنوات كنسية منظمة وبالتنسيق مع عدد من الإيبارشيات في صعيد وشمال مصر. كما يشجع رحلات الكنائس إلي مصر من أجل الخدمة للمناطق الأكثر احتياجا، لترسيخ مفهوم الكنيسة الخادمة وارتباط الأجيال بالكنيسة الأم في مصر، ونوال بركة الاجتماع مع أبونا قداسة البابا تواضروس بابا الأسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية
كذلك يولي نيافته اهتماما خاصا برسامات الكهنة والشمامسة، فيشرح للشعب معنى كل رتبة ومسؤوليتها الروحية، مع التشديد على دور الأسرة في رعاية الأطفال والشمامسة الصغار باعتبارهم مستقبل الكنيسة في الغرب عموما وفي كندا خصوصا.
بهذا النهج المتكامل، يجمع الأنبا بولس بين التعليم الكتابي “من الكتاب المقدس” والرعاية الأبوية والعمل الاجتماعي، مقدما نموذجا للأسقف الراعي الذي يبني إنسانا روحيا قادرا على الثبات في الإيمان داخل مجتمع متعدد الثقافات، حيث تتحول الكنيسة من مكان عبادة إلى مدرسة حياة، ومن مؤسسة دينية إلى عائلة روحية حية.
نهضة عمرانية واسعة خلال ست سنوات
في فترة تعد قصيرة بمقاييس عمر الإيبارشيات والمجتمعات، شهدت إيبارشية أوتاوا ومونتريال وشرق كندا نهضة إنشائية وعمرانية لافتة خلال ست سنوات فقط منذ أن تباركت بأبوة ورعاية وتدبير نيافة أبونا الأنبا بولس. وهي نهضة تحتاج إلى توثيق مطول لتاريخ الكنيسة في المهجر، إذ جاءت ثمرة رؤية رعوية واضحة مدعومة بتعاون الشعب بكل فئاته والآباء الكهنة في كنائس الإيبارشية مع نيافته، حيث تم بناء العديد من الكنائس والمباني الاجتماعية التابعة لكنائس وتجديد كنائس ونذكر منها
كنيسة رئيس الملائكة ميخائيل والقديس أبي سيفين – لافال: تعد من أكبر الكنائس القبطية في كندا وأمريكا الشمالية، ويصفها أبناء الإيبارشية مجازيا بأنها “الابن البكر” للأنبا بولس، إذ كانت أول كنيسة تبنى في عهده بعد مسيرة امتدت لأكثر من 22 عاما. يقوم على خدمتها أبونا الحبيب القمص ميخائيل ميخائيل عطية “ملاك الكنيسة”. ويشارك في خدمة الكنيسة منذ عام 2023 القس جابرييل ثروت، الذي كانت خدمته في كنيسة مار مرقس في كوت ديفوار “ساحل العاج” لأكثر من 10 سنوات في أفريقيا.
ترينتي سنتر – فال دي بوا: تم شراء المركز، الذي كان بمثابة هدية من نيافته لشعب كنائس الإيبارشية، لقربه من العاصمة الكندية أوتاوا ومدينة جاتينو ومدينة مونتريال، ليكون مركزا روحيا وترفيهيا للخلوات والأنشطة. يضم كنيسة القوي الأنبا موسى الأسود، ويتميز بموقع طبيعي تحيط به المساحات الخضراء والبحيرات، ما جعله مقصدا دائما لخدمات الإيبارشية وأنشطتها من خلوات روحية وأنشطة ترفيهية حيث يوجد في ترينتي كنيسة القديس العظيم القوي الأنبا موسي الأسود.
كنيسة القديس العظيم يوحنا المعمدان – فودري: شهدت الكنيسة شراء مبناها الجديد، وتعرف بأجوائها الروحية الهادئة وخدمتها النشطة، ويقوم على رعايتها أبونا القمص موسى دميان وأبونا القس مينا يوسف
كنيسة القديس يوسف “سان جوزيف” – أوتاوا: تم بناؤها مع مبنى اجتماعي ملحق يخدم قطاعا واسعا من أبناء الإيبارشية في العاصمة الكندية، ويقوم على خدمتها أبونا القمص ميخائيل فام.
كنيسة القديسين مكسيموس وديماديوس – ماريفيل: إحدى أجمل كنائس الإيبارشية، وكانت كنيسة كاثوليكية كبيرة بالطراز الإيطالي قبل شرائها في 25 يناير 2025 وتحويلها إلى كنيسة قبطية أرثوذكسية. صلى فيها نيافة الأنبا بولس أول صلاة عشية وسط حضور كبير من الشعب. ويخدم بها أبونا القس كيرلس مراد، مع الإشارة إلى مساهمة شعب كنيسة السيدة العذراء مريم ببروسار وأبونا القمص سيرافيم يوسف وأبونا القس تادرس المصري وأبونا القس كيرلس مراد في دعم الكنيسة
كنيسة القديسين بطرس وبولس – بوانت كلير: وضع الأنبا بولس حجر الأساس للمبنى الاجتماعي الجديد الذي يشمل كنيسة وفصول مدارس الأحد وموقف سيارات، ويقوم على خدمتها أبونا القس بيتر سعد.
كنيسة السيدة العذراء مريم – أوتاوا: تم إنشاء مبناها الاجتماعي لخدمة الأنشطة الكنسية والتعليمية، ويخدم بها أبونا القمص شنودة بطرس وأبونا القس مرقس عبد المسيح.
مدرسة فليوباتير القبطية الأرثوذكسية – فرع أوتاوا: تم تأسيس فرع للمدرسة لتقديم برامج تعليمية معتمدة من وزارة التعليم وفق منهجية قبطية أرثوذكسية، وأسهم أبونا الحبيب القس مرقس عبد المسيح بدور بارز في تأسيسها إلى جانب أبونا نيافة الأنبا بولس
كنيسة مار مينا والبابا كيرلس السادس – سانت تريز: شهدت أعمال تجديد واسعة للكنيسة التي تعرف بمحبة شعبها، ويقوم على خدمتها أبونا الحبيب والغالي أبونا أنطونيوس ميخائيل.
بهذه الكنائس الجديدة والمباني الاجتماعية وغيرها، رسمت الإيبارشية خلال سنوات قليلة خريطة روحية وإنشائية متكاملة تجمع بين الكنيسة عروس المسيح “سكني الله وسط شعبه” والمركز الروحي والمبنى التعليمي والخدمة الاجتماعية، في نموذج يعكس تلاقي الرؤية الرعوية مع دعم الشعب والكهنة، لتتحول الخدمة من مجرد حضور كنسي إلى حضور ممتد في حياة المجتمع والمهجر.
هذا وتنهال التهانئ على وسائل التواصل الاجتماعي، وعبر الرسائل البريدية والواتس آب والفايبر والفيسبوك والإنستجرام وغيرها، للتعبير عن الحب الكبير والمكانة الروحية والأبوية الكبيرة التي يتبوأها في قلوب شعب الإيبارشية نيافة الحبر الجليل أبينا الحبيب والمكرم الأنبا بولس “أسقف الرعاية والعمران” أسقف إيبارشية أوتاوا ومونتريال وشرق كندا بمناسبة الاحتفال بعيد رهبنة نيافته الثاني والعشرين. ربنا وآبانا يسوع المسيح وبصلوات صاحب الغبطة والقداسة البابا تواضروس الثاني والآباء الأجلاء الرهبان والكهنة والشعب، يديم أبوته وبصيرته وتدبيره للشعب والكنيسة لسنين عديدة وأزمنة سلامية مديدة