شدد الدكتور محمد باغة، أستاذ التمويل والاستثمار ورئيس قسم إدارة الأعمال بكلية التجارة جامعة قناة السويس، في سطور حواره لـ«الدستور»، على أن مبادرات التوطين الصناعي في مصر تواجه بيروقراطية البطء، وهو ما يتطلب من القائمين على هذا القطاع ضرورة الإصلاح الجذري للمنظومة وسن القوانين الميسرة لتضمن استقرار السياسات النقدية والمالية.
وشدد على أن تأمين المستثمر لا يتوقف عند منح الرخص وتخصيص الأراضي، بل يتطلب بيئة تشغيلية آمنة وبنية تحتية متكاملة مع دعم سلاسل الإمداد لتكون مستقرة. وأكد أن فيروس كورونا كشف للعالم خطورة الاحتكار العالمي للإنتاج، وهو ما يتطلب منا استيعاب درس التجربة الصينية لبناء إستراتيجية تصنيعية وطنية شاملة تحقق الاستقلال وتدعم النمو للاقتصاد المصري.
رغم المبادرات والتسهيلات الضريبية التي توفرها الدولة، لماذا لم تؤتِ مبادرات توطين الصناعة كامل ثمارها المرجوة حتى الآن؟
السبب المباشر هو عقبة البيروقراطية البطيئة، ونحن بحاجة ماسة لإصلاح المنظومة البيروقراطية وتغيير مناخ الاستثمار من خلال سن قوانين ميسرة ومستقرة لتأسيس المشروعات، وتحديداً الاستثمارات الأجنبية التي تجلب العملة الصعبة والتكنولوجيا.
ويجب توفير حالة كاملة من الأمان والاستقرار في التشريعات والسياسات النقدية للمستثمرين المحليين والأجانب، وبدون هذه العوامل لن نصل للنجاح الكامل؛ خاصة وأن الشغل الشاغل للحكومة هو جذب المستثمر والحفاظ عليه وطمأنته، لأن رؤوس الأموال دائماً اتسمت بأنها "جبانة" وتبحث عن البيئة الأكثر أماناً واستقراراً.
كيف تستطيع الحكومة تأمين المستثمر المحلي والأجنبي بشكل عملي وملموس؟
لا يوجد مستثمر أجنبي أو محلي يضع أمواله في أي دولة دون إجراء دراسة متكاملة ومستفيضة للسوق والتكاليف وسوق العمل وبيئة التشغيل، مع الرجوع الدائم للتقارير الدولية المعنية بعرض مؤشرات النمو والإنتاجية، مثل تقرير ممارسة الأعمال الصادر عن المؤسسات الدولية كالبنك الدولي وصندوق النقد.
والعبرة هنا لا تتوقف فقط عند منح الرخصة أو تخصيص الأرض، بل بتأمين رؤوس الأموال وحجم الاستثمارات، وتوفير البنية التحتية الدائمة والمرافق والخدمات اللوجستية المتقدمة وسوق السلع المغذية للصناعات الثقيلة.
هل ما زال الاقتصاد المصري والعالمي يعاني من الآثار الناتجة عن جائحة كورونا والأزمات المتعاقبة بعدها؟
العالم كشف بعد فيروس كورونا والأزمات المتعاقبة بعدها واقعاً جديداً وشديد الخطورة؛ حيث اتضح أن سلاسل الإمداد العالمية كانت ممركزة ومحتكرة في دولة واحدة وهي الصين، وعندما أصيبت الحدود والأنشطة بالشلل جراء الإغلاق العام أثناء كورونا، تجمدت الاستثمارات في العالم أجمع، سواء كانت استراتيجية أو وسيطة، نتيجة الاعتماد الأعمى والجامح على الاستيراد من الصين.
ما السبب الذي جعل الصين تتسيد المشهد الصناعي العالمي بهذا الشكل المذهل؟
الصين كدولة صناعية قرأت خريطة الصناعات العالمية والإقليمية منذ عقود طويلة، ووضعت استراتيجية صلبة ودقيقة لصياغة مفهوم الصناعة عالمياً.
حتى في أوج حملات ترامب الانتخابية، كانت قبعته الشهيرة مصنوعة في الصين، وهذا يعني أن الصين تعي جيداً قيمة وأهمية كافة الصناعات بغض النظر عن كونها استراتيجية أو وسيطة أو متناهية الصغر.
خلال الأربعين عاماً الماضية، رسمت الصين لنفسها موقع عملاق الصناعة العالمية، وهي في علم الاقتصاد تشبه "الأفعى الهادئة".
ومن يملك الاقتصاد يملك العالم، بدءاً من السلع العادية وحتى تكنولوجيا الفضاء. وهذا هو الدرس القاسي والجميل في آن واحد، والذي ينبغي أن نستوعبه في خططنا الوطنية لتأسيس نهضة تصنيعية مصرية شاملة ومستدامة.