إليك عظة قداسة البابا تواضروس الثاني في قداس جمعة ختام الصوم المقدس
04.04.2026 05:32
اخبار الكنيسه في مصر Church news in Egypt
وطنى
إليك عظة قداسة البابا تواضروس الثاني في قداس جمعة ختام الصوم المقدس
حجم الخط
وطنى

القى قداسة البابا تواضروس الثاني عظة بمناسبة جمعة ختام الصوم المقدس قال فيها :”في هذا الصباح المبارك، يوم الجمعة الذي نطلق عليه في كنيستنا “جمعة ختام الصوم”، بدأنا الصوم منذ 47 يومًا، واليوم هو ختام الأربعين يومًا المقدسة، مضافًا إليها أسبوع الاستعداد الذي هو في بداية الصوم. وفي هذا اليوم تقيم الكنيسة طقسًا يتكرر مرة واحدة في جمعة ختام الصوم، وإن كان يمكن ممارسته في أي وقت من السنة، وهو طقس مسحة المرضى، أو ما نسميه “القنديل العام”.
نسميه بالقنديل لأننا ننير فيه سبع شمعات، وكلمة “قنديل” تعني الشيء الذي ينير. ننير سبع شمعات لأننا نصلي سبع صلوات وسبع طلبات. وفي القنديل العام سر من أسرار الكنيسة السبعة، وهو سر مسحة المرضى. هذا السر تمارسه الكنيسة من أجل أمراضنا النفسية والجسدية والروحية.
وتتعمد الكنيسة أن تقيم هذا السر اليوم، وكلنا نُرشم بالزيت المقدس الذي صُلِّيَت عليه هذه الصلوات. وهنا تعلمنا الكنيسة أننا ندخل إلى أسبوع الآلام ونحن أصحاء روحيًا ونفسيًا وجسديًا، وأحباء وأنقياء، بعد فترة الصوم الكبير، وهي فترة توبة، لأن أسبوع الآلام هو فترة يحتاج أن يعيش فيها الإنسان بكل مشاعره. فهي أحداث في الماضي نعيشها في الحاضر، هي أحداث خلاص المسيح الذي تم على الصليب، ثم موته ثم قيامته. كانت في الماضي لكنها تعيش لأنها من أجل خلاص وفداء الإنسان، فنعيشها في الحاضر، ونتلذذ بها على مستوى الألحان والقراءات والممارسات الطقسية والأصوام

في سر مسحة المرضى صلينا من أجل المرضى، والموعوظين، والمسافرين، ومن أجل المسؤولين في كل مسؤولية، ومن أجل الراقدين، ومن أجل الذين يقدمون القرابين، حيث إن الكنيسة كلها أعضاء جسد المسيح، فيصير الجميع في صحة روحية، ونستحق أن نتقدم لأسبوع الآلام المقدس، ونسميها “الآلام المحيية” لأنها تعطي حياة.
عندما رُشمنا بالزيت المقدس، رُشمنا على جباهنا وعلى الحنجرة وعلى اليدين، كأنك تقف اليوم وتصلي وتقول: يا رب قدّس أفكاري، وقدّس كلامي (لأن الحنجرة هي عضو الكلام)، وقدّس أفعالي التي أعملها بيدي، فتكون أعمال خير وأعمال صالحة. ونقول لله: “يداك صنعتاني”، فسوف أعمل الخير ليس بيدٍ واحدة، بل بكلتا يديّ، ولكل أحد. وهذه هي الأهمية الكنسية لجمعة ختام الصوم.
أما الأهمية التاريخية، فهي ترجع لذلك الموقف الذي تم مع السيد المسيح في منطقة الجليل. فكما تعلمون، فلسطين بها الجليل شمالًا، والسامرة في الوسط، واليهودية في الجنوب، وهي ثلاث مناطق رئيسية. واليهودية بها العاصمة أورشليم. كلام اليوم كان يوجهه الفريسيون للسيد المسيح وهو في الجليل، يقولون له: “اهرب، لأن هيرودس مزمع أن يقتلك”. وكان هيرودس ملكًا شريرًا، ووصفه السيد المسيح بـ”الثعلب”، لأنه كان رجلًا ماكرًا وغدارًا.

وبدأ السيد المسيح يتكلم بأن حياته كلها تسير في خطة، فهو اليوم يصنع معجزات، وغدًا يتمم الشفاء للمحتاجين، وفي اليوم الثالث يكمل، فهو سيذهب إلى اليهودية لأنه سيُصلب هناك. ثم بدأ يتكلم عن مدينة أورشليم، وتعني “مدينة السلام”، لكنها للأسف لم تعش هذا السلام على الإطلاق.
يُقال إن تاريخ أورشليم يعود إلى ثلاثة آلاف عام، وكانت هذه السنوات مليئة بالحروب والصراعات، برغم أنها تُسمى مدينة السلام، ويُطلق عليها في الكتب المقدسة “مدينة الملك العظيم”، لكنها لم تنعم بالسلام والهدوء والطمأنينة خلال هذه الآلاف من السنين إلا لفترات قليلة جدًا.
أورشليم هي رمز لكل نفس ابتعدت عن المسيح. ويكلمها السيد المسيح ويكلم أهلها ويقول: “يا أورشليم، يا أورشليم، يا قاتلة الأنبياء وراجمة المرسلين إليها، كم مرة أردت أن أجمع بنيكِ كما تجمع الدجاجة فراخها تحت جناحيها ولم تريدوا”.
أرجوك أن تتأمل معي في كلمة “كم مرة أردت ولم تريدوا”. فكل أهل المدينة كانوا يعيشون في الشر والخطية والدماء. وهنا أرجوك أيها الحبيب أن تتأمل معي: كم مرة أراد المسيح لك خيرًا وأنت لم ترده؟ كم مرة أراد أن يصلح نفسك وأنت لم ترد؟ كم مرة أراد أن ينشلك من الخطايا وأنت لم ترد؟ كم مرة أراد المسيح أن يصلح الأسر المفككة ولم يريدوا؟ كم مرة هيأ الفرص للمتخاصمين لكي يتصالحوا ولم يريدوا؟ كم مرة في الخدمة والكنيسة وجدت بعض الانقسامات والخلافات، وأراد المسيح أن يصلح وأنتم أيها الخدام والخادمات لم تريدوا؟
و”كم مرة” تعني أنها قُدمت مرات عديدة لا تُعد. كم فرصة! كم مرة أعطاك النصيحة، إذا كنت شابًا أو شابة، ولم تستمع!
من فضلك، وأنت تصلي القداس اليوم، ارفع قلبك إلى الله، وتذكر كم مرة فعل الرب معك أشياء كثيرة جدًا، لكن بعضها أنت أغفلته. فأوعده اليوم أن تكون إرادتك في إرادته، كما نصلي ونقول: “لتكن مشيئتك كما في السماء كذلك على الأرض”. كم مرة أراد المسيح أن يجمع أفكارك ومشاعرك ولم تريدوا!
اسمع النهاية، وهنا السيد المسيح لا يبالغ، فهو يتكلم بصدق وبرسالة وتعليم لنا: “كم مرة أردت ولم تريدوا، هوذا بيتكم يُترك لكم خرابًا”. نهاية مؤسفة. لقد قدم المسيح لك مرات كثيرة، وأنت طفل، وأنت شاب، وأنت كبير، ولكنك لم ترد. فهوذا بيتكم يُترك لكم خرابًا. إنه كلام صعب للغاية.
وهذا ما حدث في تاريخ مدينة أورشليم. وُلد السيد المسيح في عام 1 ميلادية، وفي سنة 70 ميلادية هاجم الإمبراطور الروماني أورشليم من خلال قائده تيطس، ودمر الهيكل: “هوذا بيتكم يُترك لكم خرابًا”. ودخلوا إليه بالخيول، وانتهى هذا البيت وصار خرابًا.
وهنا نتساءل: ما هي مشكلة أورشليم؟ وما هي مشكلة أي نفس يُقال لها هذا الكلام الشديد؟ المشكلة في كلمة واحدة، وهي “العناد”. أحيانًا نقول إن فلانًا “دماغه ناشفة” أو “لا يقبل النصيحة”، فهو معاند.
لذلك لا تخرج من الصوم وأنت فيك خطية العناد. فهناك من يعاند نفسه ويستمر في الخطأ، وهناك من يعاند أسرته، وهناك من يعاند أصحابه أو مجتمعه أو كنيسته، بل وهناك من يعاند الله. وهؤلاء نهايتهم رديئة.
اليوم، وأنت تصلي، قل لله: أنا لا أريد أن أكون مثل أورشليم، أنا لا أريد أن أسمع نفس حكمك على أورشليم، لأن نفسي كأورشليم. أريدك أن تخلصني اليوم من خطية العناد، أريد أن تعطيني قلبًا يستجيب ويفهم ويعيش، قلبًا يعرف صالحه.
أبعد عني قساوة القلب، والردود القاسية المهلكة، حتى لا تكون نفسي بيت خراب. من فضلك يا رب، ارفع من قلبي هذا العناد الذي يلد خطايا، ويجعل الإنسان غير ناجح في عمله. والعناد أيضًا يفتح أبوابًا لضعفات، وربما لعنف وجرائم.
السيد المسيح هنا لا يتحدث إلى أورشليم فقط، بل إلى كل نفس فينا. الله يريد أن يجمع، فلا تكن سبب انقسام في بيتك أو خدمتك أو عملك. لا تعمل كالمثل القائل: “خالف تُعرف”. لا تكن سببًا في انقسام، ولا تنقل الكلام بين الناس فتتسبب في الخصام بينهم. “ليكن كلامكم: نعم نعم، لا لا”.
هذا اليوم هو يوم مخصص للتوبة من خطية العناد. والكنيسة أم رحوم لنا جميعًا، فهي لا تريد لنا أن ندخل في أسبوع الآلام ونحن نعيش في هذه الخطية. انتبه للفرص والنعم التي يعطيها الله لك، فربما تقرأ كتابًا، أو تسمع عظة، أو كلمة من صديق، ويكون كل هذا بمثابة رسائل يرسلها الله لك، وذلك تحت عنوان: “كم مرة أردت ولم تريدوا!”.
صلِّ اليوم في القداس، واطلب أن يرفع الله من قلبك العناد بأي صورة من صوره.
ننهي اليوم جمعة ختام الصوم، ثم ندخل إلى أسبوع الآلام، ونصل إلى عيد القيامة المجيد. ادخل هذه الأيام المقدسة وأنت مستعد ونقي، وقلبك حساس، خالٍ من الضعفات، وقادر على أن يستجيب لكل الرسائل التي يرسلها الله لك.
نحن اليوم فرحون في دير القديس الأنبا بيشوي، مع الآباء الرهبان في هذا الدير العامر، ومع رئيسه نيافة الأنبا أغابيوس.
يعطينا الله أن تكون حياتنا نقية، ونسلك أمامه كما يرضيه، له كل مجد وكرامة من الآن وإلى الأبد. آمين.

اترك تعليقا
تعليقات
Comments not found for this news.