صلوات وصمود.. بيت لحم تستعيد روح الميلاد بعد عامين من الانقطاع بسبب الحرب
02.01.2026 03:58
اخبار الكنيسه في مصر Church news in Egypt
الدستور
صلوات وصمود.. بيت لحم تستعيد روح الميلاد بعد عامين من الانقطاع بسبب الحرب
حجم الخط
الدستور

فى بيت لحم، مهد السيد المسيح، عادت أصوات التراتيل ورائحة البخور إلى كنيسة المهد، وسط آمال الأهالى والحجاج بأن يكون هذا الموسم خطوة أولى نحو استقرار أوسع، بعد فترة طويلة من التوتر والحرب والدمار فى الأراضى الفلسطينية.

وفى قطاع غزة، الذى أنهكته الحرب التى خلّفت دمارًا واسعًا وامتد تأثيرها إلى جميع تفاصيل الحياة اليومية، يستقبل المسيحيون موسم الميلاد بقلوب مثقلة، لكنها لا تزال متشبثة بنور الميلاد، ومتمسكة بالصمود والرغبة فى استمرار الحياة، رغم الجراح المفتوحة. وفى هذه الأجواء، برز الدور المصرى هذا العام كأحد العوامل المحورية التى أسهمت فى تهيئة ظروف أفضل لاستقبال العيد فى قطاع غزة والأراضى الفلسطينية ككل، من خلال تكثيف الجهود السياسية والإنسانية، والإسهام فى التوصل إلى وقف إطلاق النار، إلى جانب استمرار فتح معبر رفح لإدخال المساعدات ونقل المصابين. 

وأتاح هذا الهدوء النسبى للعائلات، مسيحية ومسلمة، فرصة لالتقاط الأنفاس واستعادة جزء من حياتها اليومية.

عودة الاحتفالات لكنيسة المهد.. واستعدادات لاستقبال كنائس التقويم الشرقى

عادت مدينة بيت لحم للاحتفال بأعياد الميلاد وفق التقويم الغربى، بعد عامين من الانقطاع، فى عودة حملت رسالة واضحة، مفادها أن الأمل أقوى من كل التحديات، وأن إرادة الحياة فى بيت لحم لا تنكسر رغم الألم والظروف القاسية التى فرضتها الحرب على الشعب الفلسطينى، خاصة فى قطاع غزة.

وشهدت كنيسة المهد فى مدينة بيت لحم استعدادات مكثفة لاستقبال احتفالات أعياد الميلاد المجيد، وسط أجواء روحية وتاريخية مميزة، حيث تُعد الكنيسة واحدة من أقدس المواقع المسيحية فى العالم، وقد شُيّدت فوق المغارة التى وُلد فيها السيد المسيح، حسب التقليد المسيحى.

قال الأب عيسى ثلجية، راعى كنيسة المهد فى بيت لحم، لـ«الدستور»، إن الاستعدادات هذا العام تأتى بروح مختلفة تمامًا، بعد عامين من الحرب على غزة، موضحًا أن الاستعداد الحقيقى لا يقتصر على الزينة والترتيبات، بل هو استعداد القلوب، لأن بيت لحم تدخل الميلاد وهى تحمل جراح إخوتها وآلام المنطقة بأكملها.

وأضاف: «الكنيسة تشهد هدوءًا يشبه صلاة طويلة، حيث يدخل المؤمنون لإشعال الشموع بروح أكثر خشوعًا، وكأن كل شمعة هى صلاة من أجل من رحلوا ومن لا يزالون يتألمون».

وأكد أن طقوس هذا العام تحمل معنى أعمق، فهى ليست مجرد احتفالات، بل شهادة إيمان بأن نور بيت لحم أقوى من كل ظلمة، وأن الميلاد هذا العام هو ميلاد سلام داخل القلوب، قبل أن يكون احتفالًا خارجيًا.

بدوره، أكد ماهر نيقولا قنواتى، رئيس بلدية بيت لحم، أن عيد الميلاد هذا العام يحمل طابعًا خاصًا ورسالة أعمق من الأعوام السابقة، مشددًا على أن الاحتفال يتجاوز الطقوس التقليدية ليجسد إرادة الحياة والصمود والتجدد لدى أبناء الشعب الفلسطينى، وأن بيت لحم ستظل مدينة حاملة لنور السلام وقيمه رغم كل التحديات.

وقال: «للشباب والأطفال دور محورى فى أجواء العيد، والبلدية تحرص على إشراكهم فى مختلف الفعاليات الميلادية، من خلال الأنشطة الفنية والثقافية، إيمانًا بأنهم مستقبل المدينة، وحملة رسالة الميلاد القائمة على الفرح والأمل والمحبة».

خلال المناسبة، استقبل رئيس بلدية بيت لحم، ماهر نيقولا قنواتى، وأعضاء المجلس البلدى، البطريرك الكاردينال بييرباتيستا بيتسابالا، بطريرك القدس للاتين، لدى وصوله إلى ساحة المهد. ومن المقرر أن تستقبل مدينة بيت لحم فى السادس من يناير رؤساء الكنائس المحتفلة بعيد الميلاد وفق التقويم الشرقى.

وتبدأ الطوائف المسيحية التى تسير على التقويم الشرقى احتفالاتها منذ ساعات الصباح، مع استقبال الزوار والحجاج فى ساحة المهد، وسط تأمين من الشرطة والأجهزة الأمنية الفلسطينية، وصولًا إلى قداس منتصف الليل، إيذانًا ببدء يوم العيد.

ومن المنتظر وصول موكب طائفتى السريان والأقباط صباحًا، على أن يصل بطريرك الروم الأرثوذكس، كيريوس ثيوفيلوس الثالث، مساء ليلة العيد إلى كنيسة المهد، لترؤس الاحتفالات، بحضور عدد من رجال الدين وممثلى الكنائس، إلى جانب مشاركة رسمية وشعبية واسعة، مع توافد المصلين والحجاج من داخل فلسطين وخارجها رغم التحديات القائمة.

الأرثوذكسية بالقدس: تحسن أمنى نسبى مع استمرار تأمين المواكب الدينية

أكد الراهب ثاوفيلس الأورشليمى، سكرتير الكنيسة الأرثوذكسية بالقدس، أن أجواء عيد الميلاد هذا العام فى مدينة القدس والأراضى المقدسة شهدت تحسنًا ملحوظًا مقارنة بالعامين الماضيين، فى ظل عودة مظاهر الاحتفال تدريجيًا، بعد فترة طويلة من التوترات، معربًا عن أمله فى أن يكون وقف إطلاق النار الحالى دائمًا وليس مؤقتًا.

وأوضح سكرتير الكنيسة الأرثوذكسية بالقدس، أن عودة الموسيقى والاحتفالات ومنح الناس فرصة للفرح بعد عامين من الغياب كانت محل ترحيب شعبى كبير، مشيرًا إلى تعطش واضح لدى المواطنين، مسلمين ومسيحيين، لعودة الحياة إلى طبيعتها، خاصة بعد الخسائر الاقتصادية الكبيرة التى لحقت بالمحال التجارية وقطاع السياحة.

وأشار إلى أن مصر لعبت دورًا محوريًا وأساسيًا فى جهود الوساطة ووقف الحرب، مشددًا على أن هذا الدور كان حاسمًا، ودُفع ثمنه سياسيًا ودوليًا، رغم ما تعرضت له القاهرة من ضغوط كبيرة. 

وأضاف: «هذا الدور، للأسف، لا يُذكر بالقدر الكافى على المستوى الشعبى أو الرسمى، لكنى شخصيًا أحرص فى كل الاجتماعات الكنسية والرسمية على الإشادة بدور القيادة المصرية والرئيس عبدالفتاح السيسى والمؤسسات المصرية، لأن حالة الاستقرار النسبى الحالية ما كانت لتتحقق دون هذا الدور».

وعن الأوضاع الأمنية، أوضح سكرتير الكنيسة الأرثوذكسية بالقدس، أن التنسيق ما زال قائمًا لتأمين المواكب الدينية، سواء فى القدس أو خلال التوجه إلى بيت لحم، لافتًا إلى أن الأمور تسير بشكل منظم حتى الآن، رغم وجود مضايقات غير مباشرة تظهر وتختفى من وقت لآخر، ولا تُربط رسميًا بالأعياد المسيحية، لكنها تؤثر على الحياة اليومية للمواطنين ورجال الدين.

وأشار إلى أن بعض الفعاليات، مثل احتفال إنارة شجرة الميلاد فى مدينة الناصرة، أُلغيت دون أسباب واضحة، رغم أن هذا الاحتفال يُعد مناسبة جامعة لكل أبناء المدينة بغض النظر عن الانتماء الدينى، فى حين أُقيمت إنارة شجرة الميلاد فى القدس، عند باب الجديد، بحضور واسع من أبناء الشعب وممثلى الطوائف المختلفة، وشهدت مشاركة جماهيرية غير مسبوقة مقارنة بالسنوات الماضية.

وتطرق الراهب ثاوفيلس الأورشليمى إلى معاناة المجتمع المسيحى، خاصة العربى منه، موضحًا أن التمييز يظهر فى مجالات التعليم والعمل والاحتفال بالأعياد، حيث لا تُمنح الأعياد المسيحية نفس التقدير الذى تحظى به الأعياد اليهودية، الأمر الذى ينعكس سلبًا على فرص العمل ويؤدى إلى ارتفاع نسب البطالة، رغم ارتفاع المستوى التعليمى للمسيحيين وإتقانهم للغات، وحصول كثيرين منهم على درجات علمية عليا.

غزة: فرح خجول.. وتراجع مظاهر الأعياد لصالح تأمين الأساسيات

فى قطاع غزة، جاءت أعياد الميلاد هذا العام بطعم مختلف، بعد حرب دامت لأكثر من عامين، وخلّفت دمارًا واسعًا وآثارًا إنسانية عميقة. ورغم الهدوء النسبى الذى أعقب وقف إطلاق النار، لا تزال معاناة السكان حاضرة فى تفاصيل الحياة اليومية.

وقال كامل إسبر عياد، مدير العلاقات العامة فى الكنيسة الأرثوذكسية بغزة، إن أجواء الميلاد هذا العام تجمع بين فرح خجول وحزن كبير، موضحًا أن توقف القتال منح الناس متنفسًا محدودًا، لكنه لم يمحُ آثار الفقد والخسارة، حيث دُمرت البيوت، وفُقد الأحبة، وتراجعت مظاهر الاحتفال لصالح تأمين الاحتياجات الأساسية.

وأكد أن ميلاد المسيح بالنسبة لمسيحيى غزة تحوّل إلى مناسبة للصمود واستعادة المعنى، أكثر منه احتفالًا خارجيًا، مؤكدًا أن العائلات تحتفل ببساطة من خلال الصلوات فى الكنائس والبيوت، وتقديم ما تيسر للأطفال، فى ظل إمكانات مادية ومعنوية محدودة.

وأشار إلى أن فتح المعابر وتحرك القوافل الإنسانية أسهما فى تحسين محدود فى توفر الغذاء والدواء والوقود، إلا أن حجم الاحتياجات لا يزال أكبر بكثير من حجم المساعدات، فى ظل دمار البنية التحتية، واستمرار المخاوف من تجدد المواجهات.

وأضاف: «مسيحيو غزة يوجهون فى هذا العيد رسالة واضحة إلى العالم، مفادها أنهم بشر قبل كل شىء، وأنهم يستحقون السلام والحياة الكريمة، وعدم نسيان معاناتهم، داعين إلى دعم حقيقى يشمل إعادة الإعمار، والحماية للمدنيين، وفتح المعابر بشكل آمن، حتى يتمكن الناس من استعادة حياتهم بكرامة».

اترك تعليقا
تعليقات
Comments not found for this news.