عاصرت أبونا الغالي فترة ليست بقليل منذ ان كنت طفلة أحمل على الايدي حتى الصف الاول الثانوى وقت رحيله، و تعلمت منه الكثير وسط كل الأحفاد الذين تمتعوا بمحبته وأبوته بحكم قرب السكن له وقضائنا معظم الأوقات في منزله ، اتذكر تعاليمه وإرشاده لنا في حياتنا وغرس فينا المبادىء الروحية والعادات والتقاليد الاجتماعية و الأمور التربوية بأسلوبه و طريقته، لم يوجه يوما أي توبيخ أم لوم لأى منا حتى وأن كانت لديه ملاحظة على تصرف أو شىء كان يتكلم معنا بهدوء و يوصل المفهوم الصحيح بطريقة هادئة .. فصارت حياته و سلوكه بمثابة منهج حياة لنا نحيا به .
إنجيل معاش
تضيف دكتورة جان كانت السمة الأساسية التي تعلمتها منه هى حياة الصلاة قبل أى شىء، كنا قبل أي امتحان نمر عليه للصلاة من أجلنا، أيضا في الصيام الكبير كأن يأتي إلى منزلنا لصلاة القنديل، كان حريص على تجمعنا دائما جميعا ابنائه الخمسة و احفاده ال 11 فى منزله لاسيما للرفاع قبل الصيام وفي الأعياد، كان يجمعنا بحبه و يمتعنا بأبوته و اتذكر له حينما كنا نتجمع على المائدة للغذاء معا نلاقيه يوزع علينا كلنا من أكله ” بركة ” ايا كان الاكل نوعه أو مثلا قادم من قداس يوزع علينا لقمة البركة ، ” طول الوقت اللى معه مش ليه ” .
كان هادىء الطباع ، و بطبيعة صغر سننا كنا أحفاد احيانا تصدر منا “شقاوة” لكنه كان محتملا بأبوة و بحب و يشير لنا بيديه للتحلي بالهدوء، فكانت إيماءاته هادئة .. كنا صغار و نفرح برؤيته داخل الكنيسة يوم الجمعه لنجرى عليه، كان يقول لنا في هدوء “خلصتوا مدارس الأحد، يلا روحوا على البيت ” كان عنده احترام لبيت الله وأنه لا يصح لأى منا أن يصدر عنه ” شقاوة ” داخل الكنيسة .
كما أتذكر له اهتمامه باصطحابنا معه لمدة شهر كامل بعد انتهاء فترة الامتحانات إلى الإسكندرية فى شهر يونيو ، و بمجرد وصولنا منطقة المندرة بالقرب من كنيسة مارمينا العصافرة، يلتف حوله آباء الكهنة هناك منهم المتنيح القمص بيشوى كامل و القمص تادرس يعقوب ملطى وغيرهم للحديث معه، و كان بالطبع يصلى القداس يوميا بكنيسة مارمينا، و الاحتفال بعيد الملاك بكنيسة الملاك بشارع مصطفى كامل .
السند في وقت الحرب
تستطرد “جان” أتذكر حينما كنت صغيرة عام 1967 وقت النكسة و الحرب، كان والدى يعمل بالخارج و منزلنا على بعد شارعين أو ثلاثة من منزل جدى القمص ميخائيل إبراهيم لكنه لم يحتمل البعد عنه خاصة في هذه الظروف الصعبة التي كانت تمر بها البلد من غارات و قطع التيار الكهربائي، و بالتالي كانت رغبته أن نكون معه و في منزله .. و لم يكن اهتمامه بابنائه وأحفاده فقط لكنه كان يفكر في الكل، فاهتم أيضا بوجود شقيقة جدتي وقضاء تلك الفترة معنا في منزله لكونها وحيدة بعد رحيل زوجها و لم يكن لديها أبناء .. كان يجمعنا ليلا وقت الغارات للصلاة لننشغل بالله و الصلاة من أجل البلد ويمر الليل بسلام دون أن ندرك ما يحدث بالخارج .
كانت له طقوسه في الصلاة قبل تجمعينا حيث قضاء فترة خلوة يصلي ممسكا بالصليب و الأجبية، فكان بحق رجل صلاة وفي علاقة متصلة دائما مع الله .
أيقونة حية
كان عاشقا للمذبح، و تعلمنا منه الصلاة واللجوء إلى الله في كل أمور حياتنا، أتذكر له تعليمه و إرشاده الروحي لبناته للانشغال بالله من كل الفكر و القلب خلال شغلهم أى أعمال يدوية مثل ” الكروشية ” أو “الكنفا” و غيرها مع كل غرزة يقولوا “يارب أرحم” “كيراليسون” و هو ما استلمناه فيما بعد كاحفاد .
كان قبل خروجه من المنزل يقف يصلي على الباب و يرشم الصليب، أيضا كنت أتابعه في طريقه للكنيسة كان يصلي وفي دخوله من باب الكنيسة كأن يأخذ البركة من الباب الخارجي للكنيسة ثم التوجه لكل أيقونة داخل الكنيسة و السلام على صاحب الأيقونة ثم التوجه للهيكل و السجود أمامه .. و هكذا كانت حياته مليئة بالصلاة ، مشغول بالله طول الوقت .
أتذكر يوما حدث سرقة لمنزل خالتي ( ابنته بالجسد ) قام بزيارتها و لم يسأل ماذا حدث أو ما تم سرقته، فقط وقف يصلى و يشكر الله على كل حال كى يعطى سلام للمنزل .
البابا في السماء
تقول دكتورة جان كنت صغيرة و موجودة بمنزل جدى في الصالة مع خالاتى و أقاربى ، و كان فى حجرته يصلي و جدناه يخرج لنا ليقول “البابا كيرلس” في السماء وكانت انطباعاتنا لا ندرك ماذا يحدث، لنفاجىء صباح اليوم التالي بخبر نياحة البابا كيرلس السادس و قمنا بالذهاب كأسرة إلى المرقسية القديمة لإلقاء نظرة الوداع و نوال بركته .
رحيل عجيب
تأثر جدى لرحيل جدتي وكانت بحق قديسة رحلت في هدوء و بشكل عجيب ، كان يومها قام بصلاة القنديل فى المنزل و جميعنا حاضرين الصلاة لتتنيح وقت صرف الروح القدس ، كانت لحظة مؤثرة لنا لشدة تعلقنا بها وفي بكائنا و حزننا نجده يعزينا بكلماته ويقول ” متعيطوش دى في السماء ” .
و في صلاة الجناز وقف صلى و قال “أشكرك يارب ” .. كان طول الوقت لسانه يشكر ربنا من كل قلبه، و عاش طيلة 15 عاما بعد رحيلها في حالة شكر دائم و نحن معه كأبناء و أحفاد و آخرين من محبيه حيث أن بيته مفتوح للجميع، فلن نتركه لحظة وإنما نلتف حوله لنتمتع ببركته .
عيدية قبل الميعاد
تذكر “جان” مرض جدى في الفترة الأخيرة و كان يرافقه دائما دكتور رمسيس فرج ومجموعة من الخدام لرعايته طبيا و جميعنا كأبناء و أحفاد نساعد في خدمته، وأتذكر جاء لزيارته قداسة البابا شنودة في منزله للاطمئنان عليه لما كان يكنه له من معزة خاصة في قلبه، أيضا زيارة القمص بيشوى كامل والقمص تادرس يعقوب ملطى وغيرهم من الآباء و وقفوا يصلوا المزامير .. حقيقة كان هناك تصرف غير معتاد منه قبل انتقاله بأسبوع تقريبا حيث قيامه باعطائنا عيدية عيد القيامة مبكرا ذات يوم نجتمع معه على وجبه الإفطار خلال فترة الصوم الكبير، و وقتها تعجبنا لماذا مبكرا و لماذا لم ينتظر للعيد كما هو معتاد ؟ و كانت المفاجأة أنه يرحل عن عالمنا الأرضي بالجسد خلال فترة الصوم ليحتفل بالعيد في السماء .
وداع مهيب
تقول “جان” كانت جنازة أبونا الغالي مهيبة، شارك فيها ابنائه و محبيه من كل مكان لتوديعه بالصلاة على جثمانه الطاهر بالكاتدرائية المرقسية بحضور قداسة البابا شنودة الثالث الذي تأثر كثيرا لرحيله وبكى أثناء كلمته، و كان مطلبه دفن الجثمان بالكاتدرائية أسفل الهيكل الكبير لاعتباره رجل عام و ليس ملكا لكنيسة واحدة و ابناؤه في كل موضع .. و لاشك أن موقفه أسعدنا كثيرا و كان بمثابة تعزية سماوية .
ظل قداسة البابا شنودة الثالث حريصا على أحياء ذكراه في يوم نياحته بصلاة القداس وإقامة حفل تأبين له ، محافظا على ذلك التقليد حتى رحيله ..
و يشهد أيضًا لكنيسة السيدة العذراء بكفر عبده باحياء ذكراه سنويا، كما تقوم كنيسته مارمرقس بشبرا باحياء ذكراه بصلاة القداس وزيارته سنويا في مزاره الخاص بالكاتدرائية وتطييب جسده .
و لا ننسى موقف قداسة البابا تواضروس الثاني بعد سيامته بطريركا للكرازة المرقسية وطلبه مقابلة الدكتورة عفاف ابنة أبونا بالجسد واظهاره مدى الاهتمام بقيمة أبونا المتنيح , و لن يتأخر عن تطوير مزاره الخاص .
منزله باق .. و بركة لنا
تؤكد “جان” منزل أبونا القمص لايزال موجود بشارع أحمد رافع بجوار كنيسة مارمرقس بشبرا، فذكرياتنا جميعا كأسرة داخله وبركة لنا .
تختتم “جان” وتقول بركة كبيرة أن يتم الاحتفال بالذكرى الواحد والخمسون لنياحة أبونا الغالي , تمتعت ببركته بالجسد والآن أطلب صلاته لنا كى يشفع فينا امام عرش النعمة كما تعودنا منه الصلاة في حياته , و أؤمن أنه معنا في كل أوقاتنا و يشعر بنا ولم ينسانا لحظة , فدائما ما أشعر أن يده معنا تعمل وها نحن نحيا ببركة صلواته .