يخوض الكاتب الأيرلندي «أدريان دونكان» في روايته الخامسة، «فكرة بلا تصادم»، مغامرةً جديدة عبر سرد وينقل تجربة الشعور بالذهول أمام أسرار الكون.
وبحسب تقرير لصحيفة "الجارديان" البريطانية عن الرواية الجديدة تبدأ الأحداث في أيرلندا عام 1923، حيث تتجلى الموهبة الأكاديمية الاستثنائية للطفلة «كاثرين» ذات الأعوام الستة، بالتزامن مع تداعي مزرعة والدها.
وفي الفصل التالي، الممتد إلى عام 1951، نلتقي بالدكتور «جوزيف ألويس» الأكاديمي المُهاجر من إقليم تيرول، يعيش بمفرده في منزلٍ شيده بنفسه على الساحل الشرقي لأسكتلندا. يظل ألويس وحيداً إلى أن تعود «كاثرين» للظهور، وقد أصبحت «امرأة حسناء في منتصف الثلاثينيات» وأستاذةً في جامعة أكسفورد.
الظلال الفلسفية: فيتغنشتاين والبحث عن الإدراك
تُستمد تفاصيل سيرة «ألويس» وجوانب من كتابيه من حياة الفيلسوف «لودفيغ فيتغنشتاين»، حيث تحيل الرواية إلى معاصريه الأقرب زمنيًا مثل «جي إي مور» و«غوتلوب فريجه» و«موريس ميرلو بونتي».
وعلى غرار «ألويس» و«كاثرين»، كابد هؤلاء المفكرون لتأسيس فهمٍ خاص للعالم. وتستعرض بعض صفحات رواية «فكرة بلا تصادم» رسوماتٍ بيانية أو مقاطع من المنطق الجبري.
وعلى امتداد النص، تتجلى وصفات الأماكن الصغيرة الغامضة،مثل «الجيوب» في ذهن «كاثرين»، والحفر المحفورة في الأرض، وحفر الجولف، وعش السنونو كرموزٍ لعوالم أخرى تحيط بنا، نلمس إرهاصاتها دون أن نملك أدوات استيعابها معرفياً. ومع اتساع أفق «كاثرين» الفكري ليغدو موسوعياً، ينصرف اهتمامها من الرياضيات المعقدة إلى الإدراك والوعي لدى الحيوان، متخيلةً عوالم خفية في السماءـ
التطور الأسلوبي: صرامة السرد ووضوح الخاتمة
منذ عمله الروائي الأول «رسائل حب من موقع بناء ألماني»، وصولاً إلى «القصور الذاتي البديع للأرض»، تتشارك جميع روايات «دونكان» في صوتٍ سردي يتسم بالدقة والصبر النافذ. ولئن اعتمدت بعض أعماله السابقة على التفكك النفسي الضبابي كحبكة ختامية، فإن نهايات هذه الرواية تأتي أكثر حسماً ووضوحاً؛ إذ يقدم الكاتب بلمحاتٍ اقتصادية موجزة شذرات من العوالم الجديدة لشخصياته.
وغالباً ما تتشح الرواية بطابع القصة الريفية الأيرلندية الواقعية؛ حيث الدجاج تحت الأقدام، والشاي الأسود البارد على الطاولة، ورذاذ المطر المتساقط. كما يبدو على «كاثرين» زهد ووقار مشحونان بحزنٍ متجذر في الروح نتيجة تجربة مفجعة طالت طفولتها، للدرجة التي تجعلها تبدو وكأنها إحدى شخصيات «ويليام تريفور». غير أن هذه التقاليد تتلاقى في أدب «دونكان» مع نمطٍ أوربي عقلاني ينزع نحو الفلسفة، والعمارة، والجنون، والمنفى؛ حيث لا أستحضر كاتباً آخر ينهل من هذه المشارب والينابيع المعرفية بهذه الطريقة الفريدة.