تنامي الحضور الروسي في إفريقيا.. من الصفقات إلى التساؤلات
14.10.2026 10:07
اهم اخبار العالم World News
الدستور
تنامي الحضور الروسي في إفريقيا.. من الصفقات إلى التساؤلات
حجم الخط
الدستور

تستضيف موسكو يومي 28 و29 أكتوبر 2026 القمة الروسية الإفريقية الثالثة، ومن المنتظر أن تبحث القمة التجارة والطاقة والتكنولوجيا والتعليم، وأن تعتمد خطة عمل للفترة 2027- 2029. ولفهم ما تعنيه هذه القمة، يجدر النظر إلى طبيعة الانخراط الروسي نفسه في إفريقيا، فهو يقوم اليوم على بناء شبكات طويلة الأمد أكثر مما يقوم على الصفقات المنفردة، وما يطرحه هذا الانخراط من تساؤلات.

من الأيديولوجيا إلى المؤسسات

اعتمد الحضور السوفيتي في إفريقيا على الخطاب الأيديولوجي ودعم حركات التحرر، أما النموذج الحالي فأكثر براجماتية، ويقوم على قنوات مؤسسية متعددة.

عقدت موسكو خمسة اجتماعات للجان حكومية دولية مع دول إفريقية في النصف الأول من 2026، وتجري مفاوضات مع عشر دول أخرى، وقد يقترب العدد من 30 لجنة بنهاية العام. وتتحرك الجامعات في الاتجاه نفسه، ومنها مذكرة التعاون التي أُعلنت في مارس بين جامعة موسكو الحكومية وجامعة في السنغال تمهيدًا للقمة.

وفي الساحل الإفريقي اتخذ التعاون بعدًا أمنيًا، إذ وقّعت مالي والنيجر وبوركينا فاسو في أغسطس 2025 مذكرة تعاون دفاعي في موسكو. ويجري ذلك كله في بيئة تتنافس فيها قوى دولية عدة على النفوذ، بينما تراجع وصول بعض القوى الغربية السياسي في دول رئيسية في إفريقيا.

التعليم: بناء جيل من الشركاء

يصف تحليل نشرته "ديلي مافريك" الجنوب إفريقية التعليم بأنه من أنجع أدوات القوة الناعمة الروسية. فالخريجون يعودون بلغة مشتركة وعلاقات مهنية وشخصية تمتد إلى مواقع القرار في بلدانهم. وتعكس الأرقام المصرية هذا التوجه: ارتفع عدد الطلاب المصريين في روسيا من 2300 عام 2018 إلى نحو 16 ألفًا عام 2023 وفق بيانات روسية نقلتها "بي بي سي"، وتتراوح التقديرات الأخرى بين 12 و16 ألفًا. وتقدم موسكو 338 منحة كاملة سنويًا، معظمها في الطب والهندسة والتكنولوجيا، وهي تخصصات يتزايد عليها الطلب في مصر.

 

وقد برزت في هذا الملف قضية تنظيمية. فرصدت "بي بي سي" في مطلع 2026 دعوات للانضمام إلى الجيش الروسي وُجهت إلى شبان من جنسيات مختلفة، بينهم مصريون، وأسقطت مصر الجنسية عن طالب من الأقصر شارك في القتال، وردّت القاهرة بإجراء تنظيمي هو اشتراط موافقة أمنية للطلاب من 18 إلى 35 عامًا قبل السفر للدراسة في روسيا.

في ديسمبر 2025 تأسست في القاهرة الرابطة الأفريقية لمعلمي اللغة الروسية، وسرعان ما فتحت مكاتب في مالي وبوركينا فاسو والنيجر. إن دورات اللغة واستوديوهات الباليه ونوادي الشباب جزء مشروع من الدبلوماسية الثقافية، لكن خلفها وكالة حكومية روسية هي "روسوترودنيتشستفو" التي لديها أهداف خاصة في السياسة الخارجية.

الضبعة: شراكة تقنية ممتدة

يمثل مشروع الضبعة أوضح نماذج الارتباط طويل الأمد. فتعتزم «روساتوم» تدريب نحو 1700 متخصص بحلول 2028، في روسيا وفي مركز تدريب داخل مصر، ويبدأ البرنامج بدورة لغة روسية مدتها ستة أشهر. كما تورّد روسيا الوقود طوال عمر المحطة، وترافق طاقم التشغيل خلال سنواتها العشر الأولى. وتعني هذه الصيغة أن الشراكة النووية تتحول إلى علاقة تقنية ومهنية تمتد لعقود. ولذلك تتركز أولويات الجانب المصري في توطين المعرفة، والالتزام بمعايير الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وتنويع مصادر التعليم النووي بما يعزز الكوادر الوطنية.

التنويع نهجًا ثابتًا

اتسمت السياسة الخارجية المصرية منذ باندونغ حتى بريكس بالاستقلال في اختيار الشركاء. وفي هذا السياق، يمكن النظر إلى الحضور الروسي بوصفه أحد مسارات التنويع. وتملك القاهرة رصيدًا مهمًا في هذا المجال، يتمثل في الأزهر والجامعات والإعلام، وقد أظهر "منتدى العلمين لإفريقيا" في أكتوبر، الذي جمع أكثر من 20 زعيمًا أفريقيًا، قدرتها على الجمع بين الأطراف. ويبقى التحدي في تحويل هذا الزخم إلى نفوذ دائم عبر منح للطلاب الأفارقة، وبرامج تدريب للمتخصصين، وحضور إعلامي مصري بلغات إفريقية. كما يمكن توسيع برامج المنح والتدريب مع شركاء آخرين، أوروبيين وأوكرانيين وغيرهم، بما يتيح للطلاب والكوادر المصرية خيارات أوسع.

اترك تعليقا
تعليقات
Comments not found for this news.