لم يعد البحث العلمي في مصر نشاطًا منفصلًا عن احتياجات المجتمع والاقتصاد، بل أصبح أحد المسارات الرئيسية التي تستهدف الدولة من خلالها بناء اقتصاد قائم على المعرفة والابتكار، عبر دعم الباحثين، وتطوير البنية البحثية، وتشجيع الأبحاث التطبيقية، وربط الجامعات والمراكز البحثية باحتياجات الصناعة والتنمية.
وخلال السنوات الماضية، شهدت منظومة البحث العلمي تطورًا ملحوظًا انعكس على حجم الإنتاج البحثي المصري وحضوره الدولي، بالتوازي مع توجه متزايد نحو تحويل نتائج الأبحاث إلى تطبيقات وحلول يمكن الاستفادة منها في مواجهة التحديات الوطنية ودعم القطاعات الإنتاجية.
مصر تتقدم في النشر العلمي
وتكشف المؤشرات الحديثة عن ارتفاع معدل النشر الدولي للباحثين المصريين، حيث نشرت مصر أكثر من 116 ألف بحث دولي خلال الفترة من 2019 إلى 2024، بينما تجاوز عدد الباحثين المصريين المسجلين على قاعدة Scopus حاجز 140 ألف باحث.
كما ارتفع معدل النشر الدولي السنوي إلى أكثر من 45 ألف بحث، مقارنة بنحو 16 ألف بحث في فترات سابقة، لتصل مصر إلى المركز الـ25 عالميًا في النشر الدولي، فيما تنشر نحو 78% من الأبحاث المصرية في مجلات دولية مصنفة ضمن فئتي Q1 وQ2.
وتعكس هذه المؤشرات اتساع قاعدة الباحثين المصريين وزيادة الحضور العلمي لمصر على الساحة الدولية، بما يعزز قدرة الجامعات والمراكز البحثية على المشاركة في إنتاج المعرفة العالمية.
البحث العلمي في خدمة أولويات الدولة
واتجهت السياسة البحثية خلال السنوات الأخيرة إلى دعم الأبحاث المرتبطة باحتياجات التنمية، بدلًا من اقتصارها على الجانب الأكاديمي، مع التركيز على المجالات ذات الأولوية الاقتصادية والمجتمعية والتكنولوجية.
وفي هذا الإطار، طرحت أكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا خلال عام 2026 حزمة من النداءات البحثية والتمويلية لدعم الابتكار والبحث التطبيقي، تضمنت النداء الوطني للتكنولوجيا العميقة، وبرنامج الابتكار الأخضر، وبرنامج PRISM لدعم الابتكار في العلوم الصحية والطبية الحيوية.
وتستهدف هذه البرامج إتاحة فرص تمويل للباحثين وأعضاء هيئة التدريس والطلاب، ودعم المشروعات البحثية التي يمكن أن تتحول إلى حلول ومنتجات تخدم احتياجات المجتمع والصناعة.
من البحث إلى المنتج
ويأتي ربط البحث العلمي بالصناعة في مقدمة توجهات الدولة لتغيير طبيعة المخرجات البحثية، بحيث لا تتوقف رحلة البحث عند نشر الدراسة العلمية، وإنما تمتد إلى تطوير منتج أو تقنية أو حل قابل للتطبيق.
وتضمنت المخرجات التطبيقية التي تم الإعلان عنها إنتاج سيارات كهربائية محلية الصنع، وتصنيع أجهزة تنفس صناعي بمعايير دولية، وإنتاج خام السيليمارين المستخدم في علاج أمراض الكبد محليًا، إلى جانب تطوير أصناف زراعية جديدة من الثوم واللوبيا، ومشروعات في مجالات الزراعة الذكية والاستزراع السمكي.
وتعكس هذه النماذج اتجاهًا نحو تعظيم الاستفادة الاقتصادية من المعرفة العلمية، وتحويل نتائج الأبحاث إلى حلول تدعم الصناعة والزراعة والصحة والأمن الغذائي.
التكنولوجيا العميقة.. مسار جديد للابتكار
وفي إطار تعزيز الجانب التطبيقي، تعمل وزارة التعليم العالي والبحث العلمي على دعم ما يعرف بـالتكنولوجيا العميقة، وهي التقنيات القائمة على أبحاث علمية وهندسية متقدمة، والتي يمكن أن تنتج عنها حلول جديدة في مجالات ذات قيمة اقتصادية مرتفعة.
ويستهدف النداء الوطني للتكنولوجيا العميقة لعام 2026 دعم ربط البحث العلمي بالصناعة وتحويل الابتكارات إلى منتجات، بما يفتح المجال أمام الباحثين لتحويل أفكارهم إلى مشروعات قابلة للتطبيق والاستثمار.
كما تتجه الوزارة إلى تطوير منظومة متكاملة للابتكار من خلال إنشاء أودية للتكنولوجيا داخل الجامعات والمراكز البحثية، بحيث تضم بيئات داعمة للابتكار وحاضنات ومسرعات أعمال تساعد الطلاب والباحثين والخريجين على تطوير أفكارهم وتحويلها إلى شركات ناشئة.
حماية الملكية الفكرية
ولا تقتصر عملية دعم الابتكار على تمويل البحث، وإنما تمتد إلى حماية نتائجه، باعتبار الملكية الفكرية عنصرًا أساسيًا في تحويل الابتكار إلى قيمة اقتصادية.
وفي هذا الإطار، تتضمن البرامج البحثية دعم الباحثين في تقديم طلبات براءات الاختراع وفق معاهدة التعاون بشأن البراءات PCT، بما يساعد على حماية الابتكارات المصرية وإتاحة فرص أكبر لتسويقها والاستفادة منها.
الذكاء الاصطناعي يدخل منظومة البحث
وشهدت منظومة المراكز والمعاهد والهيئات البحثية توجهًا نحو توظيف الذكاء الاصطناعي في البحث العلمي، مع العمل على إنشاء 3 مراكز لتطبيقات الذكاء الاصطناعي في مجالات مرتبطة بأولويات البحث والابتكار.
وتستهدف هذه المراكز توظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي في دعم البحث العلمي والتطبيقات المرتبطة بمجالات الفلزات والاستشعار من البعد وعلوم الفضاء، بما يعزز استخدام التكنولوجيا الحديثة في تطوير المخرجات البحثية.
شراكات بين الجامعات والصناعة
ويأتي تعزيز العلاقة بين الجامعات والقطاع الصناعي كأحد المحاور الرئيسية في بناء منظومة بحثية أكثر ارتباطًا بالاقتصاد، من خلال تنفيذ مشروعات مشتركة تستهدف إيجاد حلول للمشكلات التي تواجه القطاعات الإنتاجية.
ومن النماذج التي تعكس هذا الاتجاه تأسيس تحالف Smart Energy Alliance بمشاركة جهات بحثية وصناعية ورقابية وتعليمية، بهدف تطوير حلول صناعية مستدامة باستخدام الطاقة المتجددة والخضراء، بما يسهم في دعم الصناعة وتقليل الفاتورة الاستيرادية.
إنجازات علمية تعزز الحضور الدولي
ولم يقتصر التطور على التطبيقات الصناعية، وإنما شهدت الجامعات المصرية إنجازات علمية ذات حضور دولي، من بينها إعلان جامعة المنصورة في مارس 2026 عن بحث علمي نشرته مجلة Science حول اكتشاف نوع جديد من أسلاف القردة العليا، في إنجاز وصفته وزارة التعليم العالي بأنه يعكس قدرة مصر على إنتاج معرفة مؤثرة في الاتجاهات البحثية العالمية.
كما شهدت منظومة البحث العلمي إنجازًا استراتيجيًا من خلال مشروع الجينوم المرجعي للمصريين وقدماء المصريين، الذي شمل تحليل أكثر من 1024 عينة من 21 محافظة، ورصد نحو 17 مليون تباين جيني، مع خطة للتوسع إلى دراسة 25 ألف جينوم مصري وإنشاء مركز وطني للجينوم.
نحو اقتصاد قائم على المعرفة
وتكشف هذه التطورات عن تحول في النظرة إلى البحث العلمي، من كونه مسارًا أكاديميًا لإنتاج الدراسات والأبحاث، إلى أحد محركات التنمية الاقتصادية والاجتماعية، من خلال دعم الباحث، وتمويل الفكرة، وحماية الابتكار، وربطه بالصناعة، وصولًا إلى المنتج والخدمة القابلة للتطبيق.
وبذلك تعمل الدولة على بناء سلسلة متكاملة تبدأ من الفكرة داخل المعمل، مرورًا بالبحث والتمويل والابتكار وحماية الملكية الفكرية، وصولًا إلى التطبيق والإنتاج، بما يعزز قدرة الجامعات والمراكز البحثية المصرية على الإسهام في بناء اقتصاد أكثر اعتمادًا على المعرفة والتكنولوجيا والابتكار.