ماذا يفعل الإنسان عندما يجد نفسه أمام اختيار صعب بين مبادئه واحتياجاته؟ وهل يستطيع الفقر أن يدفعه إلى التخلي عن قيمه، أو حتى تبرير ارتكاب جريمة من أجل حياة أفضل؟
أسئلة إنسانية وأخلاقية يطرحها العرض المسرحي «المحلج»، الذي يقدمه فريق مارمرقس للدراما بكنيسة مارمرقس بشبرا، في معالجة مصرية لمسرحية «زيارة السيدة العجوز» للكاتب السويسري فريدريش دورينمات.
تدور أحداث المسرحية حول امرأة تعود إلى بلدتها بعد غياب 25 عامًا، لكنها هذه المرة تعود وهي تمتلك المال والنفوذ، لتضع أهل البلدة أمام اختبار أخلاقي قاسٍ، يكشف حقيقة مواقفهم ومدى تمسكهم بمبادئهم في مواجهة الفقر والاحتياج.
ولا يقتصر «المحلج» على طرح حكاية عن الانتقام والعدالة، بل يغوص في أعماق النفس البشرية، ويكشف كيف يمكن للظروف الصعبة أن تضع القيم والمبادئ على المحك، وتدفع الإنسان إلى مراجعة مواقفه واختياراته، كما يترك العرض للجمهور مساحة للتفكير في سؤال أساسي: هل يتمسك الإنسان بمبادئه مهما كان الثمن، أم يتنازل عنها عندما تصبح حياته واحتياجاته محل اختبار حياتي؟
الفنانة مها رضا تحدثت عن مشاركتها في العرض وتجسيدها لشخصية «ليلى»، فأوضحت أن الشخصية تحمل الكثير من التناقضات؛ فهي امرأة تعود إلى بلدتها بعد غياب عنها لربع قرن من الزمان، وقد أصبحت تمتلك المال والقوة، لكنها في الوقت نفسه تحمل بداخلها وجعًا كبيرًا وماضيًا لم تستطع نسيانه.
واشارت مها أن أكثر ما جذبها إلى الشخصية هو صعوبة الحكم عليها؛ فهل هي ضحية أم مستبدة؟ هل تبحث عن العدالة أم تسعى إلى الانتقام؟ وهل يمكن للألم أن يحوّل الإنسان من مظلوم إلى ظالم؟!
وأضافت ؛ أن التحدي الأكبر بالنسبة لها كممثلة كان فهم شخصية ليلى والتصديق بدوافعها، دون إصدار أحكام عليها أو اختزالها في صورة المرأة الشريرة، مشيرة إلى أن جمال العرض يكمن في أنه لا يقدم إجابات جاهزة، بل يترك الجمهور في النهاية أمام سؤال: لو أنا مكانهم، كنت هعمل إيه؟.
من جانبه، قال المخرج رامي عدلي إن عرض “المحلج” يمثل تجربة مختلفة ومميزة بالنسبة له، ليس فقط بسبب قصته الإنسانية، ولكن أيضًا لما يطرحه من أسئلة صعبة حول قدرة الإنسان على التمسك بمبادئه وقت المحنة، وتأثير الفقر والاحتياج في اختياراته، وما إذا كانت الأزمات تكشف بالفعل معدن الإنسان.
وأوضح عدلي أن العمل مع أكثر من فريق تمثيل (كاست) -في الوقت نفسه- كان من أبرز التحديات التي واجهته، خاصة مع الحرص على الحفاظ على الروح والإحساس نفسيهما في جميع الفرق، مع منح كل ممثل مساحته الخاصة في تقديم الشخصية.
وأضاف أن من أهم أهدافه الإخراجية خلق عالم مصري ريفي حقيقي يعود إلى فترة الأربعينيات بكل تفاصيله وأجوائه، من خلال الديكور والملابس، وصولًا إلى الموسيقى والأغاني التي كُتبت ولُحنت خصيصًا للعرض، لتعكس روح الريف المصري، وفي الوقت نفسه تنقل مشاعر الوجع والألم الكامنة خلف الأحداث.
وحول دلالة اسم العرض، يوضح عدلي أن اختيار “المحلج” لم يكن مجرد تحديد للمكان الذي تدور فيه الأحداث، بل يحمل رمزًا أساسيًا في رؤيته للعمل؛ فكما تعصر تروس المحلج القطن، يمكن لتروس المال والسلطة أن تطحن الفقير والضعيف، وتضع الإنسان في مواجهة مباشرة مع ضميره.
ويؤكد أن العرض لا يقدم مجرد حكاية على خشبة المسرح، بل يوجه سؤالًا إلى كل متفرج: “لو كنت في نفس المحنة، هل ستظل متمسك بمبادئك، ام ستكون جزء من التروس التى تطحن غيرك؟”.
لم يكن خروج عرض «المحلج» إلى النور جهدًا فرديًا، بل جاء ثمرة عمل جماعي شارك فيه فريق كبير من المبدعين والفنيين، الذين تكاملت أدوارهم على خشبة المسرح وخلف الكواليس. فتولى الإخراج رامي عدلي، والإخراج المساعد مايكل مراد، والدراماتورج وورشة الكتابة رانيا رسمي، فيما تولى توني إدوارد وإيلاريا باسم تأليف الأغاني، وتوني إدوارد التلحين، وأفرام مجدي توزيع الأغاني، وشارك في الغناء مارلين منير وريمون إدوارد وتوني إدوارد.
كما شارك في تصميم الديكور إبرام شكري وماريا باسم ومارجينا ميمي، وتصميم الملابس ماريا باسم ومارجينا ميمي، بينما تولى بينا ماجد تصميم المطبوعات والدعاية، وشارك كيرلس نجاح وإيلاريا باسم وجون عصام في التسويق وإدارة وسائل التواصل الاجتماعي، ويوسف شنودة وفريق المبيعات في المبيعات والعلاقات العامة.


وشمل فريق العمل أيضًا التصوير الفوتوغرافي لكيرلس إبراهيم وفيلوباتير أسامة، والإدارة المسرحية لإبرام ألبير وأندرو إيهاب، والهندسة الصوتية للمهندس ميشيل عبد الملك، إلى جانب خدام غرفة التحكم المسؤولين عن تنفيذ الإضاءة والصوتيات، وفريق خدام الديكور المسؤول عن التنفيذ.
ويعكس هذا التنوع في التخصصات حجم الجهد المبذول لتقديم تجربة مسرحية متكاملة، تتضافر فيها الرؤية الإخراجية مع عناصر الموسيقى والديكور والملابس والإضاءة والصوت، ليصل العمل إلى الجمهور في صورته النهائية.
يأتي عرض “المحلج” امتدادًا لتاريخ طويل من النشاط المسرحي بكنيسة مارمرقس بشبرا، الذي بدأ منذ أواخر ستينيات القرن الماضي، ومع افتتاح مسرح مبنى الخدمات تأسس فريق مارمرقس للدراما في أوائل السبعينيات، ليواصل تقديم أعمال مسرحية تحمل أبعادًا فنية وإنسانية ومجتمعية.
وينطلق الفريق من إيمانه بقدرة الفن، والمسرح على وجه الخصوص، على التأثير في النفس البشرية والإسهام في الارتقاء بالمجتمع، باعتباره مساحة إبداعية يتشارك في صنعها الفنان والمتلقي، وتمنح الجمهور فرصة للتأمل في صراعات الشخصيات ومراجعة المواقف والاختيارات الإنسانية


ولا يعتمد الفريق على الوعظ المباشر أو تلقين الأفكار، بل يحرص على تقديم رسائله الدينية والإنسانية والأخلاقية من خلال أعمال تجمع بين عمق الفكرة وجودة الأداء والاحترافية الفنية، مع الاهتمام بالتدريب المستمر وصقل مهارات الممثلين والفنيين.
..وهكذا يواصل مسرح مارمرقس بشبرا دوره باعتباره مساحة لاكتشاف المواهب وتقديم تجارب فنية جادة، تفتح أمام الجمهور أبوابًا للتفكير والحوار، وتؤكد أن المسرح ليس مجرد حكاية تُروى، بل تجربة إنسانية قد تدفع كل مشاهد إلى إعادة النظر في نفسه وفي العالم من حوله.