يتعامل الدبلوماسيون الغربيون بحذر بالغ مع أي سؤال يتعلّق بإمكانية اقتراب نهاية النظام الإيراني أو ظهور تصدّعات في قمة هرم السلطة قد تنذر بانتهاء عهد المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي.
وبحسب صحيفة "الجارديان" البريطانية فإن هذا التحفّظ لا ينبع فقط من ضبابية المشهد الراهن، بل من ذاكرة دبلوماسية مثقلة بإخفاق تاريخي كبير يتمثل في العجز عن توقّع سقوط شاه إيران عام 1979.
انهيار حكم محمد رضا بهلوي
في الأشهر التي سبقت انهيار حكم محمد رضا بهلوي، كانت السفارات الغربية في طهران تبعث بتقارير مطمئنة إلى عواصمها تؤكد متانة النظام واستقراره.
وحتى سبتمبر1978، قدّرت وكالة استخبارات الدفاع الأمريكية أن الشاه سيبقى في السلطة لعشر سنوات مقبلة، فيما رأت وزارة الخارجية الأميركية أن تنحيه لن يحدث قبل منتصف ثمانينيات القرن الماضي.
وفي السياق ذاته، استبعد السفير البريطاني آنذاك، السير أنتوني بارسونز، أي خطر جدي للإطاحة بالنظام طالما ظل الشاه في موقعه.
لاحقًا، وفي مراجعة نقدية مؤلمة لتلك المرحلة، أقرّ بارسونز بأن الإخفاق لم يكن سببه نقص المعلومات، بل سوء قراءتها، معترفًا بأن القوى المعارضة – من رجال الدين إلى تجار البازار والطلاب – توحدت بطريقة لم تُقدَّر على نحو صحيح، في حدث شبّهه في أهميته بالثورة الفرنسية، هذه التجربة جعلت التقديرات الغربية الحالية أكثر تواضعًا، وغالبًا ما تُصاغ بتحفّظ شديد وتُختَم بعلامات استفهام.
في المقابل، لا يرى عدد من الأكاديميين والخبراء المتخصصين في الشأن الإيراني مؤشرات قوية على حدوث انشقاقات واسعة داخل النظام، فالتوقعات التي روّج لها رضا بهلوي، نجل الشاه السابق، بشأن استعداد عشرات الآلاف من عناصر الحرس الثوري للانشقاق، تراجعت لاحقًا لغياب الأدلة.
ويؤكد فالي نصر، أستاذ العلاقات الدولية، أن النظام لا يُظهر علامات تصدّع داخلي حقيقي، مشيرًا إلى أن الحركات الاحتجاجية لا تنتصر إلا عندما يتفكك المعسكر المقابل.
ويرى خبراء آخرون أن الاحتجاجات الحالية، رغم اتساعها، لم ترقَ بعد إلى مستوى حركة وطنية شاملة، فكثير من الفاعلين داخل الدولة والمجتمع ما زالوا في موقع الانتظار، مترقبين اتجاه موازين القوة، كما حدث قبيل ثورة 1979 عندما شعر المترددون بقدر من الحصانة شجعهم على الانحياز للشارع.
صحيح أن بوادر تباين ظهرت في بداية الأزمة بين مقاربة الرئيس الإصلاحي مسعود بزشكيان، التي اتسمت بالنقد الذاتي ومحاولة احتواء الغضب الشعبي، وبين نهج مؤسسات أكثر تشددًا، إلا أن تصاعد الاحتجاجات وحدّتها أدى إلى تغليب خطاب "الأمن القومي".
ومع اتساع دائرة القمع، تماسكَت مراكز القوة الحقيقية داخل النظام – المرشد الأعلى، والحرس الثوري، والمجلس الأعلى للأمن القومي – حول خيار المواجهة، دون تسجيل معارضة علنية تُذكر في القمة.
وبرز هذا التحول بوضوح عندما تصدّر رئيس البرلمان، محمد باقر قاليباف، المشهد بدلًا من الرئيس، ملوّحًا بتداعيات إقليمية واسعة في حال تعرّضت إيران لهجوم، في رسالة تعكس منطق الردع والتصعيد.
في الوقت ذاته، استمر وزير الخارجية في مسار دبلوماسي يهدف إلى تحصين العلاقات الإقليمية، ما يعكس تباينًا في الأساليب داخل الدولة، وإن لم يصل إلى حد الانقسام.
ورغم الضربات التي تلقاها الحرس الثوري، بما في ذلك مقتل قيادات بارزة، فإن بنيته الأيديولوجية والتنظيمية بقيت متماسكة. ومع تشديد الرقابة الإعلامية، يسود سرد رسمي يربط العنف الداخلي بتهديدات خارجية، ما يحدّ من انتشار روايات بديلة داخل المجتمع.