تسلّمت مصر، أمس السبت، رأس تمثال حجري نادر من حجر الجرانوديوريت يرجّح أنه يعود إلى عصر الدولة الحديثة، وتحديدًا فترة حكم الملك تحتمس الثالث، أحد أعظم ملوك مصر القديمة.
وجاءت عملية الاسترداد في سياق تعاون دولي وثيق مع مملكة هولندا، عقب رصد القطعة الأثرية أثناء عرضها في معرض الفنون الجميلة «TEFAF» بمدينة ماستريخت عام 2022، قبل أن تتحرك السلطات الهولندية لاتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة.
واكتسبت الواقعة أبعادًا سياسية وثقافية مهمة، خاصة أنها جاءت في ضوء زيارة رئيس وزراء هولندا إلى مصر للمشاركة في افتتاح المتحف المصري الكبير، ولقائه بالرئيس عبدالفتاح السيسي رئيس الجمهورية، حيث أعلن التزام بلاده بدعم الجهود المصرية لاستعادة آثارها التي خرجت بطرق غير مشروعة، في رسالة واضحة تعكس احترام التراث الإنساني وحقوق الدول في استعادة ممتلكاتها الثقافية.
التعاون الدولي ودور الاتفاقيات العالمية في حماية التراث
عكست مراسم التسليم الرسمية، التي جرت بين سفير مصر في لاهاي ووزير التعليم والثقافة والعلوم الهولندي، بحضور رسمي موسع وسفيرة إسبانيا لدى هولندا، نموذجًا للتنسيق المؤسسي والتعاون الدولي في مواجهة الاتجار غير المشروع بالممتلكات الثقافية.
وأكد وزير السياحة والآثار شريف فتحي أن استرداد القطعة يمثل ثمرة تعاون بنّاء والتزام مشترك بتطبيق الاتفاقيات الدولية، وعلى رأسها اتفاقية اليونسكو لعام 1970 الخاصة بحظر ومنع الاستيراد والتصدير والنقل غير المشروع للممتلكات الثقافية.
وتأتي هذه الجهود في إطار تعاون قانوني منظم بين مصر وهولندا، باعتبارهما دولتين طرفين في الاتفاقية، بما يعكس إدراكًا دوليًا متزايدًا بخطورة الاتجار في الآثار، وضرورة التصدي له كجريمة عابرة للحدود تمس التراث الإنساني المشترك.
تفاصيل القطعة الأثرية
القطعة الأثرية، ووفقًا للمعاينة الأولية، يُرجّح أنها تعود إلى عصر الدولة الحديثة، وتحديدًا فترة حكم الملك تحتمس الثالث، وأنها كانت قد خرجت من البلاد بطريقة غير مشروعة، قبل أن يتم رصدها أثناء عرضها في معرض الفنون الجميلة (TEFAF) بمدينة ماسترخيت الهولندية عام 2022، حيث قامت السلطات الهولندية بضبطها واتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة حيالها.
أنواع الآثار المصرية المهربة إلى الخارج
يُقسّم خبراء الآثار المصريون القطع الأثرية المهربة إلى الخارج إلى ثلاثة أنواع رئيسية، يتمثل النوع الأول في الآثار التي حصلت عليها البعثات الأجنبية قبل عام 1983، أي قبل صدور قانون حماية الآثار، حيث كان يُسمح لها بالحصول على نسبة من المكتشفات أو تلقي قطع مهداة بشكل رسمي، وهي قطع خرجت بشكل شرعي ولا يمكن استردادها قانونيًا.
أما النوع الثاني، فيشمل الآثار التي جرى التنقيب عنها خلسة بواسطة لصوص وعصابات تهريب الآثار، وتم إخراجها من البلاد دون تسجيل، وهو ما يجعل عملية استعادتها شديدة الصعوبة لغياب البيانات التوثيقية.
بينما يتمثل النوع الثالث في الآثار التي اكتشفتها بعثات رسمية وسُجلت بالفعل لدى المجلس الأعلى للآثار، ثم تعرضت للسرقة والتهريب، وهي الفئة التي تملك الدولة المصرية فرصًا قانونية حقيقية لاستعادتها، كما هو الحال في قطعة تحتمس الثالث المستردة.
قانون حماية الآثار.. نقطة التحول في مواجهة نهب التراث
كان عام 1983 نقطة تحول محورية في ملف حماية الآثار المصرية، مع صدور القانون رقم 117 لسنة 1983، الذي أوقف بشكل نهائي إهداء الآثار المصرية، وفرض آليات صارمة لتسجيل المكتشفات الأثرية، كما رسّخ القانون مفهوم الأثر باعتباره مالًا عامًا لا يجوز التصرف فيه أو الاتجار به.
وعززت التعديلات اللاحقة على القانون في عامي 2010 و2018 هذا التوجه، حيث تم توسيع تعريف الأثر ليشمل كل ما هو نتاج للحضارات التي قامت على أرض مصر منذ عصور ما قبل التاريخ وحتى ما قبل مائة عام، بما في ذلك الهياكل البشرية، وهو ما وفّر مظلة قانونية أشمل لحماية التراث الوطني.
إدارة الآثار المستردة.. آلية الدولة لاستعادة حقها التاريخي
وفي عام 2002، أنشأت مصر إدارة الآثار المستردة، لتكون الذراع المتخصصة في متابعة واستعادة القطع المسروقة، وتعمل الإدارة على تلقي بيانات القطع المفقودة من المتاحف والمخازن والمواقع الأثرية، وإنشاء قواعد بيانات دقيقة، فضلًا عن مراقبة صالات المزادات العالمية ومواقع البيع الإلكترونية، ورصد أي قطعة يُشتبه في كونها أثرًا مصريًا مهربًا قبل طرحها للبيع.
وقد لعبت هذه الآلية دورًا محوريًا في استرداد العديد من القطع خلال السنوات الماضية، من خلال التعاون مع أجهزة إنفاذ القانون في مختلف الدول.
العقوبات الرادعة لجرائم التنقيب والاتجار في الآثار
تضمن قانون حماية الآثار عقوبات مشددة لردع جرائم التنقيب غير المشروع والاتجار في الآثار، فقد نصت المادة 42 على السجن المشدد لكل من يقوم بالحفر خلسة أو إخفاء أثر بقصد التهريب، مع مصادرة جميع الأدوات والمركبات المستخدمة في الجريمة، كما حدد القانون عقوبة السجن من ثلاث إلى سبع سنوات، وغرامات مالية تصل إلى مليون جنيه في حالات التنقيب دون ترخيص.
وشددت المادة 42 مكرر على معاقبة من يخفي أثرًا متحصلًا من جريمة بالسجن والغرامة التي قد تصل إلى مليوني جنيه، فضلًا عن النص الصريح على عدم سقوط دعاوى استرداد الآثار المهربة بالتقادم، في تأكيد واضح على أن الدولة المصرية لا تتنازل عن حقها التاريخي مهما طال الزمن.
حصاد الاسترداد.. أرقام تعكس نجاح الاستراتيجية المصرية
تعكس أرقام الاسترداد الأخيرة نجاح الاستراتيجية المصرية في هذا الملف، حيث نجحت الدولة في استعادة نحو 30 ألف قطعة أثرية مهربة خلال الفترة من 2014 إلى 2024، من دول عدة من بينها الولايات المتحدة وفرنسا.
ويؤكد هذا الحصاد المتنامي أن معركة استرداد الآثار لم تعد مجرد مطالبات تاريخية، بل أصبحت مسارًا مؤسسيًا مدعومًا بالقانون والتعاون الدولي، يعزز مكانة مصر كدولة حريصة على حماية تراثها وصون هويتها الحضارية عالميًا.