تشهد الولايات المتحدة موجة غضب غير مسبوقة ضد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بسبب التورط في حرب مفتوحة مع إيران دون هدف واضح أو خطة استراتيجية معلنة، كما أن قرار الحرب تم اتخاذه دون العودة للكونجرس.
ملامح حرب طويلة الأجل تتشكل في الولايات المتحدة
وبحسب وكالة "أسوشيتيد برس" الأمريكية، أدى تصاعد وتيرة الهجمات، ومقتل المرشد الأعلى الإيراني آية الله علي خامنئي، وغياب أي مؤشرات واضحة على خطة للخروج من الصراع، إلى زيادة المخاوف من اندلاع حرب طويلة ذات تداعيات واسعة النطاق.
ومع اتساع نطاق المواجهة، تعرضت مناطق كانت تُعد ملاذات آمنة في الشرق الأوسط مثل دبي لإطلاق نار وهجمات، كما شهدت أسعار الطاقة ارتفاعًا حادًا، بينما تعهد حلفاء الولايات المتحدة بالمساعدة في التصدي للصواريخ والطائرات المسيرة الإيرانية.
أعلن الجيش الأمريكي أنه استخدم قاذفات الشبح بي-2 لاستهداف منشآت الصواريخ الباليستية الإيرانية، كما قال إنه دمر 11 سفينة حربية إيرانية، وذكر ترامب أن مقر البحرية الإيرانية تعرض لدمار واسع.
وفي ظل تدهور الأوضاع الأمنية، دعت وزارة الخارجية الأمريكية المواطنين الأمريكيين إلى مغادرة أكثر من 12 دولة في الشرق الأوسط بسبب المخاطر الأمنية المتزايدة.
قال وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، للصحفيين قبل إحاطة أعضاء الكونجرس بشأن العملية العسكرية ضد إيران، إن الضربات الأكثر قسوة من الجيش الأمريكي لم تأت بعد.
أوضح ترامب أن أهداف الحملة العسكرية تشمل تدمير القدرات الصاروخية الإيرانية، والقضاء على البحرية الإيرانية، ومنع إيران من امتلاك سلاح نووي، إضافة إلى قطع قدرتها على دعم الجماعات المتحالفة معها مثل حزب الله في لبنان، الذي أطلق صواريخ باتجاه إسرائيل يوم الاثنين.
من جهتها، أكدت إيران أنها لم تقم بتخصيب اليورانيوم منذ شهر يونيو، لكنها شددت في الوقت ذاته على حقها في القيام بذلك، مؤكدة أن برنامجها النووي مخصص للأغراض السلمية.
وفي ظل الضربات الجوية التي استهدفت العاصمة الإيرانية طهران، تعهد المسؤول الأمني الإيراني البارز علي لاريجاني عبر منصة إكس قائلًا إن بلاده لن تتفاوض مع الولايات المتحدة.
إيران تشعل الغضب الأمريكي ضد ترامب وصلاحيات الحرب في مرمى النيران
وسعى ترامب إلى توضيح أهداف الإدارة الأمريكية بعد تصريحات سابقة دعا فيها الإيرانيين إلى السيطرة على حكومتهم، في إشارة إلى إمكانية حدوث انتفاضة داخلية، إلا أنه لم تظهر حتى الآن أي مؤشرات على حدوث ذلك.
كما أشار إلى انفتاحه على الحوار مع القيادة الإيرانية الجديدة التي قد يتم اختيارها قريبًا.
وخلال إحاطة الكونجرس، حاول وزير الخارجية الأمريكية تبرير السبب وراء تورط الولايات المتحدة في هذه الحرب.
وزعم روبيو أن إسرائيل كانت وراء التورط الأمريكي في حرب، حيث أصرت على توجيه ضربة لإيران ما يعني تعرض القوات الأمريكية في المنطقة لهجمات انتقامية، وهو الأمر الذي دفع الإدارة الأمريكية لتنفيذ ضربات استباقية.
وبحسب صحيفة "الجارديان" البريطانية، فإن تصريحات وزير الخارجية الأمريكي عن سبب التورط في الحرب تعتبر جديدة ومختلفة عن ما يردده ترامب، وتعكس الغضب الأمريكي العارم من التورط في حرب بلا فائدة أو هدف محدد.
وعرض "روبيو" ومدير وكالة الاستخبارات المركزية جون راتكليف ورئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال دان كين إحاطة مغلقة للمشرعين داخل مبنى الكابيتول، وذلك قبل تصويت متوقع في مجلس النواب لاحقًا هذا الأسبوع على مشروع قرار يتعلق بصلاحيات الحرب، وهو إجراء قد يشكل فرصة غير معتادة لإجبار ترامب على إنهاء العمليات العسكرية ضد إيران.
وأوضح وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، أن التقديرات الاستخباراتية في واشنطن كانت تشير منذ البداية إلى أن طهران سترد عسكريًا على أي ضربة تستهدفها، بغض النظر عن الجهة المنفذة سواء كانت الولايات المتحدة أو إسرائيل أو أي طرف آخر.
ولفت إلى أن دوائر صنع القرار الأمريكية كانت تتوقع أن يمتد الرد الإيراني ليشمل القوات الأمريكية المنتشرة في المنطقة.
وأشار روبيو إلى أن الإدارة الأمريكية كانت تدرك مسبقًا أن إسرائيل تستعد لتنفيذ عملية عسكرية ضد إيران، وأن مثل هذا التحرك كان سيؤدي بشكل شبه حتمي إلى استهداف المصالح والقوات الأمريكية.
وبحسب ما أوضح، فإن هذا التقدير هو ما دفع واشنطن إلى تبني خيار الضربات الاستباقية ضد أهداف إيرانية، إذ رأت أن الانتظار حتى وقوع الهجمات الإيرانية كان سيعرض القوات الأمريكية لخسائر أكبر.
تفسير الإدارة الأمريكية لقرار الدخول في الحرب فجّر خلافًا سياسيًا واضحًا داخل الكونغرس. ففي حين اصطف أعضاء الحزب الجمهوري للدفاع عن خطوة الرئيس دونالد ترامب، وجه الديمقراطيون انتقادات حادة للإدارة، معتبرين أن المواجهة العسكرية مع إيران لم تكن ضرورية وأنها تفتقر إلى رؤية استراتيجية واضحة.
وقبل حضوره جلسة الإحاطة التي عقدت للمشرعين، اعتبر زعيم الأقلية الديمقراطية في مجلس الشيوخ تشاك شومر أن الصراع الدائر هو نتيجة قرار اتخذه ترامب بإرادته، مشيرًا إلى أن الإدارة دفعت البلاد إلى حرب اختيارية لا تستند إلى مبررات ملحة.
وأكد شومر أن الإدارة لم تقدم حتى الآن خطة واضحة لإدارة الصراع أو إنهائه، مضيفًا أن الإحاطة التي تلقاها المشرعون لم تبدد الغموض.
وقال إن أعضاء الكونجرس طرحوا عددًا كبيرًا من التساؤلات خلال الاجتماع، إلا أن الإجابات التي قدمها المسؤولون لم تكن مقنعة، بل زادت من حالة الغموض بشأن مسار الحرب.
بدوره أعرب السيناتور مارك وارنر، نائب رئيس لجنة الاستخبارات في مجلس الشيوخ، عن قلقه من تداعيات انخراط الولايات المتحدة في مواجهة عسكرية قد تكون إسرائيل قد دفعتها إليها بشكل غير مباشر.
وأوضح أن المعلومات المتوافرة لدى المشرعين لا تشير إلى وجود تهديد إيراني وشيك يستهدف الولايات المتحدة مباشرة، لافتًا إلى أن الخطر كان موجهًا أساسًا إلى إسرائيل.
وأضاف أن اعتبار أي تهديد لإسرائيل بمثابة تهديد فوري للولايات المتحدة قد يضع السياسة الأمريكية في مسار غير مسبوق.
وخلال مقابلات إعلامية سابقة، تحدث ترامب عن مجموعة من الأهداف التي تسعى إدارته إلى تحقيقها من خلال العمليات العسكرية، من بينها تدمير منظومة الصواريخ الباليستية الإيرانية، وإضعاف القدرات البحرية لطهران، ومنعها من امتلاك سلاح نووي، إضافة إلى قطع دعمها للجماعات الحليفة لها في الشرق الأوسط.
غير أن روبيو ركز في تصريحاته للصحفيين على هدفين أساسيين فقط، هما القضاء على القدرات الصاروخية الإيرانية وإضعاف الأسطول البحري الإيراني.
وبعد انتهاء جلسة الإحاطة المغلقة، قال السيناتور وارنر إنه ما زال غير قادر على تحديد الغاية النهائية التي تسعى الإدارة الأمريكية لتحقيقها من خلال هذه الحرب.
ودعا الرئيس إلى تقديم توضيحات مباشرة للكونجرس وللرأي العام الأمريكي بشأن الهدف الحقيقي من بين الأهداف المتعددة التي جرى طرحها.
كما طرح تساؤلات حول استراتيجية الخروج من النزاع، إضافة إلى التزامات الولايات المتحدة المحتملة تجاه الشعب الإيراني إذا استجاب لدعوات ترامب للخروج إلى الشوارع، فضلًا عن طبيعة التهديد الذي استدعى اندلاع هذه المواجهة.
وكان ترامب قد أصدر أمر تنفيذ الضربات العسكرية ضد إيران دون الحصول مسبقًا على موافقة الكونجرس، غير أن روبيو أكد أن مجموعة صغيرة من كبار قادة الكونغرس المعروفة باسم عصابة الثمانية تم إبلاغها بالعملية قبل تنفيذها.
ومن المنتظر أن يناقش مجلس النواب خلال الأيام المقبلة مشروع قرار يتعلق بصلاحيات الحرب، وهو إجراء قد يجبر الرئيس على إنهاء العمليات العسكرية ضد إيران في حال إقراره.
ومع ذلك، فإن فرص تمرير القرار تبدو محدودة، نظرًا لسيطرة الحزب الجمهوري على مجلسي الكونجرس، إضافة إلى أن كثيرًا من أعضائه نادرًا ما يعارضون سياسات ترامب بأعداد كافية.
وحتى إذا تمكن الكونجرس من إقرار القرار، فإن الرئيس يملك حق النقض، ولا يمكن تجاوز هذا الفيتو إلا بتصويت أغلبية الثلثين في المجلسين، وهو أمر يصعب تحقيقه سياسيًا.
وكانت مبادرات مشابهة تتعلق بصلاحيات الحرب قد طُرحت في وقت سابق خلال الدورة الحالية للكونجرس لكنها لم تنجح في الحصول على التأييد الكافي.
lqmhob