في مشهد مهيب امتزجت فيه الدموع بالصلاة، توجّه نيافة الأنبا برنابا، مطران تورينو وروما، امس الخميس ٢٢ يناير إلى مدينة لاسبتسيا (نحو 450 كم شمال غرب مدينة روما)، لقيادة صلاة خاصة على روح الابن المبارك الشماس أبانوب يوسف، الذي راح ضحية جريمة اغتيال مأساوية يوم الجمعة الماضية على يد زميل له بالمدرسة، في حادث هزّ المدينة بأكملها وأثار صدمة إنسانية ومجتمعية واسعة.

وجاءت هذه الصلاة الرعوية تعبيرًا عن احتضان الكنيسة لأسرة الفقيد، ومشاركتها العميقة في آلامهم، وتأكيدًا على رسالة المحبة والسلام في مواجهة العنف والكراهية. وقد تحولت المدينة، منذ إعلان نبأ الجريمة، إلى حالة من الحداد العام، حيث قرر عمدة مدينة لاسبتسيا إغلاق جميع المدارس والمصالح الحكومية، وإعلان يوم حداد رسمي، في لفتة إنسانية تعكس حجم التأثر الشعبي والرسمي بالحادث الأليم.
وشهدت جنازة الشماس أبانوب يوسف حضورًا رسميًا لافتًا، تقدّمه رئيس أساقفة مدينة لاسبتسيا، وعمدة المدينة، ومدير الأمن العام، وكافة أعضاء مجلس البلدية، في جنازة رسمية غير مسبوقة، عكست المكانة التي حظي بها الفقيد ومحبة الجميع له، كما أكدت وحدة المجتمع في مواجهة الألم والحزن.
وفي إطار التضامن الكنسي، أوفد نيافة الأنبا أنطونيو أسقف ميلانو الأب الورع القمص بيمن كامل والقمص ميكيلي للمشاركة في الصلاة، إلى جانب مشاركة آباء إيبارشية تورينو وروما، وهم:
الراهب القمص داود النقلوني ،الراهب القمص إرميا الأنطوني، القمص أنطونيو جيمي، القمص أنجيلوس جابر، القمص حنانيا عبد المسيح، القمص مينا ميشيل، القمص برنابا صموئيل،القمص يسطس حلمي.
وقد اتسمت الصلاة بروحانية عميقة، حيث تحولت إلى مسيرة صلاة وعزاء سماوي، ارتفعت فيها الصلوات من أجل راحة نفس الشماس أبانوب يوسف، وتعزية أسرته ومحبيه وزملائه، ومن أجل أن يعمّ السلام القلوب، وأن تتحول هذه المأساة إلى دعوة مجتمعية صادقة لنبذ العنف وترسيخ قيم الرحمة والتسامح.
واختُتمت الصلاة في أجواء خشوع مؤثرة، شعر خلالها الجميع أن الكنيسة لا تودّع ابنًا فقط، بل تحتضن جرحًا إنسانيًا عميقًا.
واختُتمت مسيرة الصلاة بنداء صريح من الكنيسة والمشاركين بضرورة تحقيق العدالة الكاملة والشفافة في هذه الجريمة البشعة، ومحاسبة كل من تورّط فيها وفقًا للقانون، بما يضمن حق الضحية ويصون كرامة الإنسان، ويعيد الثقة في منظومة العدالة.
كما شدّد الحاضرون على رفض أي ممارسات أو مناخات من شأنها التغاضي عن حقوق الأقباط أو غصبها، مؤكدين أن حماية كرامة المواطن وحقه في الحياة الآمنة دون تمييز هو واجب أخلاقي وقانوني لا يقبل المساومة، وأن دماء الأبرياء لا يمكن أن تمر دون مساءلة عادلة ومنصفة.
وأكدت الكنيسة في ختام الصلاة أن السلام الحقيقي لا يُبنى على الصمت أمام الظلم، بل على العدالة، وأن الصلاة من أجل راحة نفس الشماس أبانوب يوسف تقترن بنداء إنساني واضح يطالب بمجتمع يحفظ حياة أبنائه جميعًا، ويصون حقوقهم، ويقف بحزم في مواجهة العنف والكراهية، حتى لا تتكرر مثل هذه المآسي الأليمة.
وتعود تفاصيل الواقعة إلى تعرض أبانوب للطعن بسكين على يد أحد زملائه بالمعهد، وهو طالب من أصول مغربية، وذلك داخل معهد «إيناودي كيودو»، حيث كان يدرس المجني عليه. وأسفر الاعتداء عن إصابة خطيرة، نُقل على إثرها أبانوب على الفور إلى المستشفى في محاولة لإنقاذ حياته.
وبحسب المصادر الطبية، تعرض أبانوب لتوقف في عضلة القلب، وتمت محاولة إنعاشه، قبل أن يخضع لعملية جراحية استمرت قرابة ثلاث ساعات، بعد أن تبيّن أن الطعنة اخترقت الطحال وأحدثت نزيفًا حادًا، إلا أن حالته الصحية تدهورت، وفارق الحياة متأثرًا بإصابته.
ويُذكر أن أبانوب يوسف كان يواصل دراسته في إيطاليا، إلى جانب عمله في أحد مطاعم البيتزا، مساهمًا في تحمل نفقات معيشته ودراسته، وكان معروفًا بين زملائه وأصدقائه بحسن الخلق والاجتهاد.






