في لحظةٍ تتقاطع فيها اعتبارات العقيدة مع ضرورات التنظيم القانوني، يبرز المجلس الملي للأقباط الأرثوذكس بوصفه إطارًا مؤسسيًا ذا جذور تاريخية وسلطة تشريعية كنسية معتبرة، غير أن حضوره العملي في إدارة شؤون الأحوال الشخصية للأقباط، يبدو وقد ران عليه قدرٌ من الخفوت، رغم ما يتيحه من أدوات قانونية رشيدة قابلة للتفعيل.
ومن ثم، عقب طرح مسودة قانون الأحوال الشخصية للأقباط الجديد، وأن القانون على موعد من أن يقترب لدخوله البرلمان طرح تساؤلًا «هل نحن بإزاء سلطة كامنة لم يُستثمر كامل طاقتها، أم أمام تحوّل مؤسسي أعاد رسم ملامح الدور والاختصاص؟».
المجلس الملي للأقباط الأرثوذكس"
وفي هذا السياق قال البير أنسي المحامي بالنقض في تصريح خاص لـ«الدستور»، "في إطارٍ يجلّ الكنيسة القبطية الأرثوذكسية ويوقّر رسالتها الروحية العميقة، ويُعلي في الوقت ذاته من شأن العمل المؤسسي الرشيد، تبرز جملة من التساؤلات الهادئة التي لا تقصد نقدًا بقدر ما تسعى إلى إحياء نقاشٍ طالما تأجل، حول طبيعة العلاقة بين الكنيسة ومؤسساتها التاريخية ذات الامتداد القانوني، وعلى رأسها "المجلس الملي للأقباط الأرثوذكس".
وتابع: :"فهذا المجلس، الذي نشأ في سياق تاريخي بالغ الأهمية، لم يكن مجرد كيان إداري عابر، بل اضطلع بدورٍ معتبر في تنظيم الشأن المدني للأقباط، وكان – ولا يزال من حيث الأصل – معبرًا قانونيًا معترفًا به أمام الدولة المصرية، وذراعًا مؤسسية يمكن من خلالها بلورة الإرادة الجماعية في إطارٍ منضبط، يحترم القانون ويخاطب مؤسسات الدولة بلغتها".
ومن ثم، فإن التساؤل الذي يفرض نفسه، في هدوءٍ وتوقير: لماذا تراجع حضور هذا المجلس في المشهد العام، رغم ما يتمتع به من شرعية تاريخية وقانونية؟ ولماذا غابت – أو كادت – آلياته عن التفعيل، في وقتٍ لا تزال فيه الحاجة قائمة إلى أدوات تنظيمية مدنية تسند العمل الكنسي وتُكمله، لا أن تُزاحمه؟
وتابع أن إعادة قراءة التاريخ تقتضي الإنصاف؛ إذ لا يجوز أن يُختزل دور المجلس الملي في صورٍ ذهنية قد لا تعكس كامل الحقيقة، ولا أن يُحمّل بما ليس فيه. فالتاريخ المؤسسي، بطبيعته، مركّب، ويستوعب مراحل من التوافق وأخرى من التباين، دون أن ينتقص ذلك من القيمة الجوهرية للمؤسسة ذاتها.
وفي هذا السياق، يثور تساؤل آخر ذو طبيعة قانونية دقيقة: هل جرى – بقصد أو بغير قصد – إهدار سلطة تنظيمية مدنية معتبرة، كانت قائمة ومعترفًا بها، لصالح تصورات بديلة لم تتبلور بعد في صورة نهائية؟ وهل كان من الممكن – أو لا يزال ممكنًا – إعادة تفعيل هذه الأداة المؤسسية بما يحقق قدرًا أعلى من الكفاءة والمرونة في معالجة قضايا الأحوال الشخصية؟
وأضاف: ولعل ما يزيد من أهمية هذا الطرح أن "المجلس الملي للأقباط الأرثوذكس"، من حيث التشكيل والرئاسة، يظل مرتبطًا بالبنية الكنسية ذاتها، إذ يترأسه بابا الأقباط، بما يجعله – من الناحية النظرية – أداة منضبطة في يد الكنيسة، لا كيانًا موازٍ لها. وقد شهد التاريخ القريب مثالًا دالًا حين جرى تعديل لائحة الأحوال الشخصية للأقباط الأرثوذكس الصادرة عام 1938، في عام 2008، برعاية قداسة البابا شنودة الثالث، وفي إطارٍ من التفاهم مع مؤسسات الدولة، وهو ما يؤكد أن هذا المسار ليس غريبًا عن الواقع، بل سبق أن تحقق في صورة عملية.
ومن هنا، يثور تساؤل مشروع: إذا كان هذا الإطار المؤسسي قائمًا، ومجربًا، وقابلًا للتطوير، فلماذا يُستعاض عنه بطرحٍ آخر – كفكرة “القانون الموحد للأحوال الشخصية” – لا تزال ملامحه غير واضحة على نحوٍ كافٍ، ولا تحظى نصوصه بدرجة كافية من الشفافية أو التداول المجتمعي؟ ولماذا يُترك المجال لتعدد الاجتهادات الفردية، في ظل غياب نصوص منشورة أو مشروع معلن يخضع للنقاش العام؟
إن المقصود هنا ليس رفضًا لفكرة التوحيد في ذاتها، ولا تقليلًا من شأن الجهود المبذولة في هذا الاتجاه، وإنما دعوة لإعادة ترتيب الأولويات، والنظر في مدى واقعية الأدوات المطروحة، ومدى اتصالها بالبنية القانونية القائمة بالفعل.
ولعل من الرأي الذي يستحق التأمل، أن تُعاد هيكلة لائحة 1938 – أو ما يقوم مقامها – بحيث تقتصر على المسائل ذات الطبيعة الكنسية الخالصة، وفي مقدمتها الزواج والطلاق، بينما تُترك المسائل ذات الطابع المدني العام لإطار تشريعي موحد يخاطب جميع المصريين، دون مساس بجوهر العقيدة أو خصوصيتها.
إن هذه الرؤية، مهما اختلف حولها التقدير، لا تُطرح باعتبارها حلًا نهائيًا، بل بوصفها اجتهادًا مفتوحًا للنقاش، ومحاولة لتحريك المياه الراكدة، واستدعاء حوارٍ مؤسسي ناضج، يشارك فيه أهل الخبرة من رجال القانون، ورجال الكنيسة، وسائر المهتمين بالشأن العام.
واختتم: وفي نهاية المطاف، تبقى الغاية أسمى من أي وسيلة: تحقيق مصلحة الأسرة المسيحية، وصون كرامة الإنسان، وتعزيز التوازن بين ما هو روحي وما هو مدني، في إطارٍ من الاحترام الكامل للكنيسة، والتقدير العميق لتاريخها، والثقة في قدرتها – كما عهدناها – على قيادة أبنائها بحكمةٍ ورؤية"