كشف اقتصاديون أن الاقتصاد العالمي شهد خلال السنوات الأخيرة تحديات متلاحقة فرضتها الأزمات الجيوسياسية، واضطرابات سلاسل الإمداد، وارتفاع أسعار الطاقة والسلع الأساسية، وهو ما دفع الدول إلى إعادة ترتيب أولوياتها الاقتصادية، والتركيز على تعزيز قدرتها على مواجهة الصدمات الخارجية.
وأضافوا أن مصر تعمل على تنفيذ استراتيجية تستهدف بناء اقتصاد أكثر مرونة وقدرة على الصمود، من خلال دعم قطاعات حيوية تمثل ركائز الأمن الاقتصادي، وعلى رأسها الطاقة، والصناعة، والزراعة، والأمن الغذائي، وتوطين الإنتاج المحلي.
من جانبه، قال الدكتور سمير عارف رئيس جمعية مستثمري العاشر من رمضان، إن قدرة أي دولة على مواجهة الأزمات العالمية أصبحت مرتبطة بامتلاكها مصادر متنوعة للطاقة، وقاعدة إنتاجية قوية، وقدرة على توفير احتياجات مواطنيها من السلع الأساسية، مؤكدين أن مصر اتجهت خلال السنوات الماضية إلى تنفيذ مشروعات تستهدف تقليل الاعتماد على الخارج وتعزيز الاكتفاء النسبي في القطاعات الاستراتيجية.
الطاقة.. ركيزة أساسية للاستقرار الاقتصادي
وأضاف أن قطاع الطاقة يعد أحد أهم المحاور التي ركزت عليها الدولة خلال السنوات الماضية، باعتباره عنصرًا رئيسيًا في دعم الصناعة وجذب الاستثمارات، خاصة في ظل ارتفاع أسعار الطاقة عالميًا نتيجة التوترات الدولية.
وأكد أن التوسع في إنتاج الغاز الطبيعي، وتنمية مصادر الطاقة الجديدة والمتجددة، وزيادة الاعتماد على الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، ساهم في تعزيز قدرة الاقتصاد المصري على التعامل مع التقلبات العالمية.
وأشار إلى أن توفير الطاقة بشكل مستقر يمثل عامل جذب مهم للمستثمرين الصناعيين، حيث تبحث الشركات العالمية عن أسواق تمتلك بنية تحتية قوية وقدرة على استمرار الإنتاج حتى خلال فترات الأزمات.
وأكد أن توجه مصر نحو التحول إلى مركز إقليمي للطاقة من خلال تطوير البنية التحتية وشبكات الربط الكهربائي يعزز من مكانتها الاقتصادية في المنطقة.
الأمن الغذائي.. تقليل مخاطر الأسواق العالمية
فيما قالت مها حسن رئيس جمعية مستثمري السلام إن الأمن الغذائي، يمثل أحد أبرز الملفات التي حظيت باهتمام كبير، خاصة بعد الأزمات العالمية التي أثرت على أسعار الحبوب والمواد الغذائية وسلاسل التوريد.
وأضافت أن التوسع في المشروعات الزراعية القومية واستصلاح الأراضي وزيادة الإنتاج المحلي من المحاصيل الاستراتيجية يأتي ضمن خطة تقليل الاعتماد على الواردات وتقليل تأثير تقلبات الأسواق الدولية.
وأوضحت أن الدولة تعمل على زيادة الإنتاجية الزراعية من خلال استخدام التكنولوجيا الحديثة، وتحسين نظم الري، ودعم المزارعين، بما يساهم في تحقيق قدر أكبر من الاستقرار في توفير السلع الأساسية.
الصناعة المحلية.. حائط الصد أمام الأزمات
فيما قالت الدكتور شيماء فرغلي الاستشاري الاقتصادي إن بناء قاعدة صناعية قوية يمثل أحد أهم عناصر صمود الاقتصاد، خاصة في ظل اضطرابات التجارة العالمية وصعوبة الحصول على بعض المنتجات خلال فترات الأزمات.
وأشارت إلى أن استراتيجية توطين الصناعة تستهدف زيادة نسبة المكون المحلي، وتعميق التصنيع في قطاعات مثل الأدوية، والسيارات، والصناعات الهندسية، والصناعات الغذائية.
وأضافت أن دعم الإنتاج المحلي لا يساهم فقط في تقليل فاتورة الاستيراد، لكنه يخلق فرص عمل جديدة ويزيد قدرة مصر على التصدير للأسواق الخارجية.
الاستثمار والبنية التحتية.. دعم النمو المستدام
ولفتت إلى أن تطوير البنية التحتية خلال السنوات الماضية لعب دورًا مهمًا في تعزيز قدرة الاقتصاد المصري على جذب الاستثمارات، من خلال تحسين شبكات الطرق والموانئ والمناطق الصناعية.
وأوضحت أن الاستثمارات في البنية الأساسية أصبحت عنصرًا رئيسيًا في المنافسة العالمية، خاصة مع توجه الشركات الدولية لإعادة توزيع سلاسل الإنتاج والبحث عن مواقع أكثر استقرارا.
وأكدت أن المدن الجديدة والمناطق الاقتصادية ساهمت في توفير بيئة أكثر جذبًا للمستثمرين، بما يدعم توجه مصر للتحول إلى مركز إنتاجي إقليمي.
اقتصاد أكثر قدرة على مواجهة المستقبل
وأضافت أن بناء اقتصاد قادر على مواجهة الأزمات لا يعتمد على قطاع واحد، وإنما على تكامل مجموعة من القطاعات الإنتاجية، بداية من الطاقة والغذاء وصولًا إلى الصناعة والتكنولوجيا.
وأشارت إلى أن المرحلة المقبلة تتطلب استمرار دعم الإنتاج المحلي، وزيادة الصادرات، وتعزيز مشاركة القطاع الخاص، بما يرفع قدرة الاقتصاد المصري على التعامل مع التحديات العالمية.
وأوضحت أن الأزمات الدولية أثبتت أهمية امتلاك الدول لمقومات الاعتماد على الذات، وأن مصر تتحرك نحو بناء نموذج اقتصادي أكثر مرونة يعتمد على تنويع مصادر النمو وتعزيز قدرته على مواجهة المتغيرات العالمية.