منذ ان أختارت العناية الإلهية قداسة البابا تواضروس الثانى بابا وبطريركًا للكنيسة القبطية الأرثوذكسية الممتدة اليوم بكرازتها من مصر إلى كل دول العالم، وقداسته لا يألو جهدًا لمجد الكنيسة.. وسلام الوطن..
وخير الإنسان.
مع كل إشراقة شمس يخرج يجول يصنع جديدًا..البيت أعاد ترتيبه.. والمنظومة تحكمها لوائح.. ودولاب العمل تتولاه لجان متخصصة.. وبناء الكنائس صار له قانون.. والمواطنة ترسخت بالمحبة.. والإيبارشيات الكبيرة قسمت والجديدة سيم لها أساقفة.. والكنائس أقام لها كهنة.. والأساقفة رقوا مطارنة.. والرعاية تمتد لخلاص كل نفس.. والخدمة تصل إلى كل إنسان.. ورأيناه »عطية الله« لمجد الكنيسة.. وخير الوطن..
وخلاص النفوس.
المهمة شاقة.. وكلما رأيت صعوبة الأيام وثقل المسئولية تذكرت الآية التى جاءت فى إنجيل معلمنا
يوحنا البشير»كل شىء به كان، وبغيره لم يكن شىء مما كان«.. الآية أحفظها عن ظهر قلب ويحفظها كل مسيحى، لكن عند قداسة البابا تواضروس لها قصة-كما رواها-عند اختياره لقيادة الكنيسة كانت تنتابه مشاعر القلق، ولما أفصح عن هذا لأب اعترافه المتنيح نيافة الأنبا صرابامون رئيس دير
لأنبا بيشوى أجابه بهذه الآية.. ومن يومها لم تفارقه ويتذكرها عند كل موقف ويمضى مطمئنا لمجريات الأمور والأيام.
وفى بداية العام الماضى كان لى مع قداسة البابا لقاء.. ولما سألت قداسته: كيف ترى عام٥٢٠٢؟!.. أجابنى
»إنه عام البركة«.. وصدق قداسته.. مع كل صباح كنت أرى جديدًا لكن هذا الجديد كان وراءه عمل دوؤب وجهد شاق بين مشروعات تظهر فى الأفق كأحلام، ودراسات تعد، وموضوعات تناقش، ولقاءات تمتد، ومشاكل تحل، وفى النهاية جسد يرهق.. لكن قداسته يمضى ويواصل المسيرة عن إيمان بمقولة يوحنا البشير»كل شىء به كان وبغيره لم يكن شىء مما كان«.
كان عامًا مكثفًا بالعمل والصلاة.. عام يؤكد أن البابوية ليست منصبًا بل رسالة مستمرة تعلن يومًا بعد يوم فى صمت أحيانًا، وفى حضور علنى أحيانًا أخرى، لكنها دومًا تقدم بمحبة من أجل الكنيسة، ومن أجل خلاص الإنسان ومن أجل مجد الله وسجلت صفحات عام ٥٢٠٢ محطات بالغة الثراء فى مسيرة قداسة البابا تواضروس الثانى حيث تنوعت تحركاته بين الرعاية الرعوية العميقة، والحضور المسكونى الفاعل والمواقف الوطنية الواضحة إلى جانب متابعته الدقيقة لشئون الكنيسة فى الداخل والمهجر فى عام اتسم بكثرة التحديات وحاجة العالم المتزايدة إلى صوت الحكمة والرجاء.
لم يكن مرور هذا العام عابرًا فى مسيرة قداسة البابا تواضروس الثانى ، ولا كان مجرد صفحة تطوى فى سجل الأعوام، بل بدا وكأنه زمن مكثف تداخلت فيه المسئوليات الرعوية مع تعب الإنسان، والرسالة الكنسية مع حدود الجسد، فكان عاماً تتقاطع فيه الخدمة مع الاختبار، وتلتقى فيه قوة الدعوة مع هشاشة الطبيعة البشرية.. عامًا حمل ملامح بركة واضحة، لكن خلف هذه البركة كانت هناك لحظات صامتة لا ترى فى الصور الرسمية ولا تلتقط فى الكلمات السريعة، لحظات عاشها الراعى بعيدًا عن الأضواء وهو يوازن بين واجبه تجاه الكنيسة واحتياجه الإنسانى للراحة والشفاء.. وفى قلب هذا المشهد لم يتراجع الحضور، ولم تنكفئ الرسالة، بل استمرت الخدمة، كأن التعب نفسه صار جزءًا من العطاء، وكأن الألم تحول إلى مساحة أعمق للفهم والاتكال.. لم يكن العام سهلاً لكنه كان صادقًا، ولم يكن خاليًا من الأوجاع لكنه كان ممتلئًا بالمعنى .. ومن هنا لا يمكن قراءة هذا العام بسطوره الظاهرة فقط، بل لا بد من الاقتراب من طبقاته الخفية حيث تتجاور القوة والضعف والفرح والوجع فى صورة إنسان يحمل صليب المسئولية بابتسامة الإيمان.
وهكذا مضى عام البركة وقداسته فى رحلة مع تعب الأيام.. لكنها كانت رحلة ما بين الفرح والألم، وهو ما ترصده السطور القادمة.. لكن لكى تكتمل أركان هذه الرحلة ومشاهدها لابد أن نعود إلى الخلف، فلا حديث عن الألم دون أن نفتح »الملف الطبى« لقداسة البابا.. ومن هنا ستطول رحلتنا لكنها ستكشف لنا عن راع يفرح وسط الألم، ويتألم بفرح.. ومن هنا أدعوكم إلى السطور القادمة فى رحلة مع عطية الله وتعب الأيام.
فيكتور سلامة
< التقليد الكنسى.. قبل المشقة >> استهل قداسة البابا تواضروس الثانى عام البركة بصلوات رأس العام الميلادى فى الكنيسة المرقسية بالإسكندرية.. لم يكن اختياره للإسكندرية ترفًا بل لكونها المقر الأول والرئيسى للكرسى المرقسى، وصارت لدى قداسته عادة دائمة فى أعياد رأس السنة، والغطاس، وأحد الشعانين، وكثير من أيام السنة، لا يبالى بمتاعب السفر ولا بساعات الترحال، كل ما يعنيه حرصه على تقاليد الكنيسة وتراثها.
>> وفى صباح الأربعاء الأول من يناير٥٢٠٢ استقبل الآباء الأساقفة العموم المشرفين على القطاعات الرعوية وبحث معهم عددًًا من الموضوعات والخطط المتعلقة بالخدمة والعمل الرعوى بالإسكندرية، ومضت الساعات فى مناقشات تستنفد من طاقة الجسد والفكر الكثير، فبالمدينة العظمى الإسكندرية -كما يطلق عليها فى التراث القبطى- أربعة قطاعات رعوية وبالقاهرة عاصمة البلاد ٢١ قطاعًا رعويًا، وكلاهما يمثلان إيبارشية قداسة البابا التى لا يجوز أن يجلس عليها أسقف، وجاء هذا التقسيم لا ليخفف من أتعاب البابا بل يزيد من ثقل مسئولية فى متابعة الخدمة فى كل مكان ولقاؤه ومناقشاته الدائمة مع أساقفة العموم إيمانًا منه أن الاحتياج الرعوى هو الاهتمام الأول فى منظومة الخدمة بكل ما تشمله من افتقاد وتعليم ونشاط وخدمات، ومن ثم تضاعف الجهد وزاد التعب على نحو ماكشف عنه اجتماعه فى أول أيام عام البركة مع أساقفة القطاعات الرعوية بالإسكندرية.
>> لم يقف الأمر عند هذا، فعقب هذا الاجتماع التقى قداسة البابا بمجلس إدارة مستشفى الأنبا تكلا، وخلال اللقاء بحث عددًا من الموضوعات والخطط المتعلقة بتطوير العمل الخدمى الطبى الذى يقدمه المستشفى بما يليق به كأول مستشفى كنسى قبطى تأسس بالإسكندرية.. وكانت هذه بدايات أيام التعب مع بدايات عام البركة.. ليس المهم عند البابا تواضروس أن يتعب أو يستريح المهم أن يجد كل مريض علاجًا، فقداسته يرى فى وجه كل متألم صورة المسيح.
< إبتسامة البابا.. تخفى تعبه >> بعدها عاد قداسة البابا إلى القاهرة ليواصل الاستعداد لاحتفالات عيد الميلاد بدءًا من استقبال كبار رجال الدولة الذين يتوافدون على المقر البابوى لتهنئة قداسته وأيضًا رؤساء الكنائس والشخصيات العامة، فضلاً عن الاتصالات الهاتفية والبرقيات والرسائل التى تصل تباعًا، كل هذا فى الوقت الذى يعد فيه »رسالة الميلاد« التى يرسلها إلى أبناء الكنيسة بالخارج وتصل فى ذات الوقت عبر تقنية »زوم« إلى كل دول العالم، ويعد أيضًا رسالة أخرى تنشر فى كل وسائل الإعلام المصرية، فضلاً عن العظة التى يليقها قداسته فى ليلة قداس العيد.
>> وفى زمن تدور فيه عقارب الساعات بأسرع مما نتصور يجد قداسته أنه أمام موعد الاحتفال بكاتدرائية ميلاد المسيح، ذلك الاحتفال الذى صار له ترتيباته الخاصة والمعدة بعناية بالغة فى حضور رئيس الدولة بكاتدرائية تتسع أربعة آلاف شخص يتقدمهم بعض الوزراء والقيادات والسفراء وإلى جانب مراسم الاستقبال تبقى طقوس الصلوات التى تستمر إلى منتصف الليل وتتخللها العظة التى يلقيها قداسة البابا »واقفًا« بعد قرأة الإنجيل، وما يعقبها من »سلامات« لطابور طويل قد لا تبدو له نهاية.
>> جهد لا يعرفه إلا قداسة البابا، وتعب لا يشعر به إلا هو، لكنه يخفيه وراء ابتسامة، فقلبه فرحًا دومًا.. وأصارحكم أننى بعد أن وصلت إلى نهاية الأسبوع الأول من الشهر الأول فى عام البركة أدركت أن الصفحات لن تكفى لتسجيل خدمة قداسة البابا تواضروس يومًا بعد يوم فكلها أيام تعب.. لهذا أستأذنكم أن أقف فقط عند محطات التعب فى عام البركة.
< المحطة الأولى.. عظة الأربعاء >> فى عام البركة خرج قداسة البابا بالعظة الأسبوعية من أرض الأنبا رويس إلى كل كنائس رعيته فى القاهرة والإسكندرية وفى كل أقطار مصر، وفى كل بلاد الله الواسعة أينما كان وحل يوم الأربعاء.. وكان فى هذا جهد فوق جهد.. لم يكن الجهد فقط فى الانتقال إلى الرعية مهما بعدت المسافات لكن أيضًا فى الساعات التى يقضيها معهم.. يتفقد الكنيسة وأنشطتها ويتعرف على خدماتها، ويوجه ويرشد، ويلتقى بالألوف يستمع إليهم ويتحدث معهم ويمنحهم البركة.
>> وفى عام البركة امتدت زيارات قداسة البابا إلى خارج مصر، فسافر فى ٥٢أبريل إلى دول وسط أوروبا »بولندا، رومانيا، صربيا، التشيك« واستمرت زيارته الرعوية حتى ٨مايو وفى كل بلد زاره أقام قداسات ودشن كنائس، وافتتح مشروعات وعقد فى»رومانيا« سيمينار مع كل أساقفة أوروبا حضره٢١ أسقفًا، واستمع إلى كل أب عما يواجهه من تحديات، وما ينجزه من مشروعات، وما يتمناه لأولاده فى المستقبل وبحث معهم كيفية توصيل التعليم الأرثوذكسى بلغة تناسب الجيلين الثانى والثالث من أبناء المهجر الذين نشأوا فى ثقافات مختلفة ويحتاجون إلى خطاب رعوى يجمع بين العمق والبساطة، وتناقش معهم فى إشكالية اللغة والهوية، وكيف يمكن للكنيسة أن تحفظ أبناءها دون أن تعزلهم عن مجتمعاتهم ودرس معهم أوضاع الكنائس فى أوروبا من حيث التشريعات والتحديات القانونية والإدارية.. كان يستمع ويتحدث ويتناقش مع أساقفة أوروبا وعيناه على ٥٢ إيبارشية خارج مصر وفكره مع ٩٣مطرانًا وأسقفًا للكنيسة فى بلاد المهجر.. لقاء جاء فى عام البركة ليضيف إلى رصيد التعب تعبًا فوق التعب لكن قداسته كان فرحًا.
من وسط أوروبا .. إلى صعيد مصر >> من وسط أوروبا إلى صعيد مصر امتدت زيارات قداسة البابا الرعوية.. كانت زيارة مكثفة استغرقت ثمانية أيام بدأت من يوم الثلاثاء ٠٣سبتمبر واختتمت يوم الثلاثاء ٧أكتوبر ٥٢٠٢ طاف خلالها بإيبارشيات محافظة أسيوط السبع-ديروط وصنبو، القوصية ومير، رزقة الدير المحرق، منفلوط، أسيوط وساحل سليم والبدارى، أبنوب والفتح وأسيوط الجديدة، أبو تيج وصدفا والغنايم- بالإضافة إلى ثمانية أديرة.
>> اغفروا لى إن كانت كل الكلمات ستبقى عاجزة عن وصف التفاف الرعية حول راعيهم داخل الكنائس والأديرة وفى الطرق مع تنقل قداسته بين الإيبارشيات وفى شوارع المدن والقرى وكل مكان ذهب إليه، ناهيك عن الآلاف الذين حضروا الصلوات واستمعوا إليه ونالوا بركته.. وعلى مدار الجولة رافق قداسته أكثر من٥٢ من الآباء المطارنة والأساقفة، ودشن سبع كنائس ووضع حجر أساس أربع كنائس جديدة، وافتتح بعض الكنائس الجارى تشييدها إلى جانب المدارس والمستشفيات والأندية الخدمية، وقدم المحبة بكل أبوة لكل أبنائه فى كل مكان مما جعل من الزيارة حدثًا سيظل حاضرًا بكل ذكرياته فى كل القلوب.
>> قلت فى البداية إن كل الكلمات ستبقى عاجزة عن وصف زيارات قداسة البابا الرعوية لكنها أيضًا ستبقى عاجزة عن وصف مشقة راع يكرز بالفرح ويخفى آلامه.. راع يذكرنى بالقديس بولس الرسول فى رسالته إلى أهل مدينة فيلبى وسط آلامه وهو مقيد فى سجن روما »افرحوا فى الرب كل حين، وأقول افرحوا أيضًا«.
< الأكثر خدمة.. الأكثر تعبا >> إن كانت زيارة قداسة البابا لصعيد مصر قد جاءت شاهدة أن »عام البركة هو عام التعب« إلا أن الأكثر من هذا والمؤكد لنا أن قداسة البابا عندما قال إن عام ٥٢٠٢ عام البركة،كان يعنى بالدرجة الأولى أنه العام الذى يحمل ذكرى مرور ٧١قرنًا على انعقاد المجمع المسكونى الأول فى نيقية، وأنه رأى بكل ما فى روحه من محبة تنبع من قلب الراعى الصالح أن يكون لهذا احتفال عالمى على أرض مصر بحضور كل الكنائس باعتبار أن مجمع نيقية كان لكل كنائس العالم، وأن أبطال المجمع كانوا من آباء الكنيسة القبطية، وشهد شهر أكتوبر من عام البركة لقاء ممثلى كنائس أكثر من٠٠١ دولة فى مؤتمر دولى بدير القديس الأنبا بيشوى بوادى النطرون، واعقبه احتفالات على مدار الأسبوع فوق أرض الأنبا رويس التى أخفت وراء الكواليس تعب الأيام التى لم يدركها إلا قداسة البابا تواضروس.
< ختام العام.. تعب الأيام >> بعد أن أسدل الستار عن أكبر احتفالية شهدتها الكنيسة القبطية بحضور كل كنائس العالم فى مشهد أعرب عن تقديره الرئيس عبد الفتاح السيسى عند استقباله لقداسة البابا تواضروس ووفد مجلس الكنائس العالمى.. بعدها لم يكن باقيًا فى عام البركة سوى أيام.. وهنا أدرك قداسة البابا أن التعب قد حل فقرر أن يسافر إلى النمسا فى متابعة صحية سريعة.. لم يكن فى القرار غرابة فلقداسته ملف طبى بمستشفى »أكاها« فى فيينا العاصمة منذ أكبر من عشرين عامًا وبطاقة تأمين صحى شامل يخضع من خلالها لفحوصات دورية منتظمة كان آخرها فى مايو٣٢٠٢.
>> وعن قصة قداسة البابا مع المرض كان قد قال لى فى حوار مع قداسته عام٤١٠٢:
أعانى من أتعاب فى»ظهرى« نتيجة انزلاقات فى عدة غضاريف منذ ٠٣سنة، وتشتد الآلام مع المجهود والإرهاق وكان هناك تفكير فى إجراء جراحة بالعمود الفقرى. لكنى رفضت وأيدنى فى هذا بعض الأطباء لأننى أعانى من نقص فى فيتامين »هـ« والكالسيوم، وتحملت شدة الألم، وأتردد بصفة دائمة على مستشفى »أكاها« فى فيينا لإجراء الفحوصات الطبية وعمل جلسات العلاج الطبيعى، وأنا أرتاح للعلاج هناك، ليس لأنها أفضل دولة فى العالم لعلاج هذه الحالات، ولكن لأنها قريبة والمسافة بيننا وبينها فى حدود ثلاث ساعات ونصف ساعة كأى سفرية من القاهرة للإسكندرية، وأيضًا لأن محبة أنبا جابرييل أسقف النمسا
ورئيس دير الأنبا أنطونيوس كبيرة، وأنا أقضى فترة العلاج بالدير الذى يقع فى قرية صغيرة »أوبرزين بروتن« خارج العاصمة فيينا، وأنا أحب هذا الدير وأفضل أن أقضى فيه فترة العلاج لأنه فضلاً عن الروحانيات التى تسود المكان فهو يتسم بالهدوء والطبيعة الخلابة التى تساعد على التغلب على الآلام.
>> إلى هنا انتهت قصة قداسة البابا مع غضاريف الظهر، لكن الجديد هو تعب الأيام، وسافر قداسته صباح الثلاثاء ٥٢ نوفمبر من عام البركة إلى النمسا، وفتح الأطباء الملف الطبى لقداسته، وأجريت كل الفحوصات وأخذت عينات لكل التحاليل.. لكن قداسته بروح الخدمة التى تتملكه رفض أن يقيم بالمستشفى وذهب فى اليوم التالى لوصوله إلى كنيسة القديسة دميانة والشهيد أبانوب بالحى الحادى والعشرين فى فيينا العاصمة ليعقد اجتماعه الأسبوعى، وألقى عظته، وقدم التهنئة ببدء صوم الميلاد، وبارك الحضور الكبير فردًا فردًا، وجلس مع كورالات الأطفال والشباب الذين قدموا ترانيم وألحانًا لاقت تقديره.. ومضت الساعات وقداسته يقدم كل هذا بفرح وهو الأب الذى قطع المسافات ليرتاح لكن الخدمة أخذته ليكون وسط شعبه.. وغلبته الخدمة فيما هو أكثر فترأس صباح السبت
-٩٢ نوفمبر ٥٢٠٢- القداس الإلهى بمطرانية عذراء الزيتون بفيينا، وخلال الصلوات سام آباء كهنة جددًا.
>> فيما كانت نتائج التحاليل الطبية قد بدأت تظهر وفحوصات الأطباء تعلن، وتدعو للمزيد من الفحوصات والتحاليل كانت المدة المحددة للزيارة قد انتهت، وكان على قداسته أن يعود ليواصل برامج مكثفة للخدمة حددها سلفًا، وكان من أبرز دواعى العودة الاستعداد لاحتفالات عيد الميلاد التى صارت جزءًا من تراث دينى ووطنى لا يمكن توقفه.
< الجديد.. فى الملف القديم >> فى تحمل للألم لا يقدر عليه إلا راع أمين يؤمن أن »كل شىء به كان، وبغيره لم يكن شىء مما كان«، مضت احتفالات عيد الميلاد وقلب البابا -رغم شد الألم- يحمل فرحًا يرسم ابتسامة بريئة على وجهه.. وصباح السبت ٠١ يناير عاد قداسة البابا إلى النمسا لتبدأ الرحلة الصعبة التى تضيف جديدًا فى الملف الطبى القديم.. التقييمات الأولوية لمسار صحى دقيق رأت إجراء جراحة بإحدى الكليتين لضمان الاستقرار الكامل وتفادى أى مضاعفات مستقبلية.
>> مع اكتمال الفحوصات رأى الفريق الطبى التوجه بقداسة البابا إلى مستشفى أكبر وأكثر تجهيزًا حيث تتوفر إمكانيات أعلى للرعاية الجراحية والمتابعة بعد العملية.. وبمعونة إلهية واهتمام بالغ وصل قداسة البابا إلى المستشفى ترافقه صلوات الكنيسة فى كل مكان من مصر إلى المهجر.
>> وسط إشراف طبى دقيق أجريت العملية الجراحية بنجاح، وأكد الأطباء أن التدخل تم فى التوقيت المناسب، وأن الاستجابة الجسدية كانت إيجابية.. وعلى مدار الأيام التالية خضع قداسة البابا لمتابعة دقيقة شملت تنظيم الحركة ومراقبة المؤشرات الحيوية والالتزام بتعليمات النقاهة.
>> لقرابة أسبوعين امتدت الإقامة الصحية، لم تكن سهلة جسديًا لكنها كانت غنية روحيًا، فبين جدران المستشفى كانت صلوات البابا لا تنقطع بالشكر.. وخلال تلك الفترة تلقى قداسته اتصالات ورسائل محبة من الرئيس السيسى، ومن شيخ الأزهر الشريف، ومن كل رموز الدولة، ومن رؤساء كل الكنائس.. ومع تحسن الحالة الصحية واستقرار المؤشرات الطبية سمح الأطباء برغبة قداسة البابا بالعودة إلى مصر مع التشديد على فترة نقاهة تمتد حتى نهاية شهر فبراير بما يضمن التعافى الكامل.. وحرص قداسة البابا قبل عودته إلى أرض الوطن أن يذهب إلى دير الأنبا أنطونيوس، وأن يرفع من كنيسة الدير صلاة الشكر.. وبصوت خاشع وعينين مرفوعتين إلى السماء قال: »نشكرك لأنك سترتنا، أعنتنا، حفظتنا، قبلتنا إليك، أشفقت علينا، عضدتنا، وأتيت بنا إلى هذه الساعة«.
هكذا كان عام ٥٢٠٢ عام البركة وعام التعب.. لكنه لم يكن عامًا استثنائيًا فى مسيرة قداسة البابا تواضروس الثانى، بل كان امتدادًا طبيعيًا لكل أعوام الخدمة التى عاشها ويحياها.. حقيقى ربما كان عامًا تراكم فيه التعب، لكن البابا لم يقف يومًا عند حدود ما يؤلمه، ولا أمام ما يثقله.. كانت عيونه دائمًا مرفوعة إلى السماء.. ونظره على الكنيسة وآبائها.. مسنودًا على قوة إلهية.. وتمر الأعوام فى حياة البابا متشابهة فى جوهرها.. خدمة تقدم بلا حساب، وألم يحمل فى صمت، وإصرار ثابت على أن تبقى الكنيسة أولاً قبل الجسد وقبل الراحة وقبل كل شىء.