ما أن صدرت عن دار النشر الأمريكية “ماكميلان” نشرة بخصوص “الموسوعة القبطية” التي عكف على تدوينها والعمل بها بجد وأخلاص أكثر من 150 عالماً متخصصاً فى الدراسات القبطية طوال فترة تجاوزت عشرة سنوات في عمل مضنى شاق نحو هدف سامٍ ألا وهو تعريف العالم كله “الأقباط هم سلالة الفراعتة”. هكذا جاء العنوان الرئيسي لتلك النشرة التي صدرت عن دار ماكميلان، حتى تهللت قلوب المصريين المخلصين فرحاً.
لنبدأ قصة الموسوعة القبطية كما يذكرها د. عزيز سوريال عطية – نيح الله نفسه – لأحد محررى مجلة مدارس الأحد، فيقول: بدأت فكرة إصدار دائرة المعارف القبطية تتبلور على يد العلامة الكنسى أوريجانوس (185 –254 ميلادية) – أعظم معلمى المسكونة فى القرن الثالث بل والشخصية التى لا تبارى في تاريخ مدرسة الإسكندرية اللاهوتية، فقد وضع 6000 مؤلفاً في تاريخ الانسانية، وبدأ مشروع تسجيل دائرة المعارف المسيحية في مدرسة الإسكندرية بتدوين كل ما يتعلق بالأقباط. ثم توقف العمل به من القرن الثالث حتى القرن الثالث عشر حين أهتم أولاد العسال – وهى عائلة من أسيوط أشتهرت بالعلم – وقامت بكتابة عشرات الكتب اللاهوتية والقانونية القبطية، إلا أن المشروع لم يكتمل فى عهدهم أيضاً. ودخل هذا المشروع فى طى النسيان سبعة قرون.
أود أن أضيف أنه عندما بدأت جمعية مارمينا العجايبى بالإسكندرية عام 1945 بالاهتمام بإصدار دراسات تاريخية جادة عن الكنيسة القبطية، وجدت هذه الدراسات أرضاً خصبة عند مجموعة من المخلصين لتاريخ كنيستهم وتقاليدها إذ كانت هذه الدراسات سبباً حقيقياً وراء أهتمام د. عزيز سوريال عطية ود. سامى جبرة بتأسيس معهد الدراسات القبطية بالقاهرة عام 1954. ويذكر د. عزيز سوريال أنه كان يحدوه الأمل أن يقوم معهد الدراسات القبطية بهذا المشروع لسببين أولهما جهل العالم بالقبط وثانيهما جهل القبط بالقبط أيضاً.
من هنا كانت نقطة البداية .. ولبداية مثل هذا العمل تحتاج إلى شخص مخلص لقضيته متفهماً لهدفه واضعاً نصب عينيه أنه عليه أن يتجاوز جميع المحن والصعاب بل والمُعّطلات .. كل هذه الصفات تجمعت في شخص د. عزيز سوريال عطية.
كان وقتها د. عزيز سوريال قد أستقر به المقام بجامعة يوتا – ولاية سولت ليك سيتى الأمريكية، وتوجه لمقابلة مدير الجامعة وعرض عليه مشروع الموسوعة القبطية، وذكر له رئيس الجامعة أنه سيكون من الفخر للجامعة أن يصدر عنها مثل هذا العمل العالمي. فأحتضن مدير الجامعة الفكرة وبدأ العمل في المشروع سنة 1977. لكن تبقى التعضيد المادي لمثل هذا العمل !! فتوجه د. عزيز سوريال إلى أكبر هيئة للبحوث في العالم وهي “هيئة البحوث الأمريكية” The National Endowment for the Humanities وفعلاً تعهدت هذه الهيئة بتقديم مبلغ موازٍ لما تستطيع لجنة المشروع جمعه من الأقباط والمصادر المستقلة تتعدى نصف مليون دولار. وفعلاً فُتح باب الأكتتاب لهذا المشروع وأقبل إليه الأفراد والجماعات من مختلف الأجناس والمذاهب أحساساً منهم بأهمية المشروع
في معهد روكفلر بشمال إيطاليا – وهو قصر يعود تاريخه إلى القرن السابع عشر – أنعقد أول أجتماع، للمهتمين بالدراسات القبطية من كل أنحاء العالم لمدة أسبوع. للجنة التنفيذية للمشروع حضره من مصر نيافة الأنبا غريغوريوس والأستاذ مريت بطرس غالى.وفي هذا الاجتماع قرر المجتمعون أن يكون د. عزيز سوريال عطية مقرراً للمشروع ويعمل معه ستة عشر عالماً من تسع دول بوصفهم مساعدين وكلهم من أساتذة الجامعات المتخصصين في: التاريخ القديم، تاريخ العصور الوسطى، التاريخ الاسلامى، التاريخ الحديث، تاريخ البطاركة، العمارة والآثار القبطية، الفن والموسيقى القبطية، اللاهوت، الجغرافيا .
وبرغم هذا العمل الضخم الذي يهم الأقباط أولاً والانسانية ثانياً، كان دور الأقباط، ومنهم من كان بالمهجر، ضعيفاً. هذا دعا أحد المتحمسين لهذا المشروع، وكان وقتها قد تجاوز السبعين من عمره، أن يرسل النداء التالى للآباء الكهنة بكنائس المهجر، جاء فيه: (يأتى دورك يا أبى الكاهن لتبارك هذا المشروع الجليل وتدعو له بحرارة لكى يساهم فيه أقباط المهجر بسخاء حتى يمكن إنجازه فى حياة أول دعاته والمتحمسين لإخراجه وهو سيادة د. عزيز سوريال عطية الذى يبلغ الآن الثالثة والثمانين من عمره. أطال الله حياته حتى يرى بعينيه ثمار ما جاهد من أجله). وللتاريخ والأمانة العلمية يجب أن أسجل اسم هذا الإنسان المبارك هو الأستاذ نجيب إسكندر يوسف (الشقيق الأكبر للأب متى المسكين) وهومقيم بكاليفورنيا وقد تجاوز – وقتها – الثمانين من عمره.
كان د. عزيز كان مخلصاً للقضية واثقاً من الهدف، فشق طريقه بجهد عظيم مستنداً على المعونة الإلهية والتى أنقذته من الموت ثلاث مرات وهو فى سن التسعين. وبعد أن أكمل العمل على أكمل وجه ووقع على عقد طبع المشروع مع دار النشر ماكميلان، رقد فى الرب فى سبتمبر 1988.
في سبتمبر 1990 أصدرت دار النشر ماكميلان النشرة الرسمية للموسوعة .. ماذا جاء فيها؟ (من بين هيئة التحرير السبعة عشر، خمسة منهم مصريين. ومن بين المائة والخمسون عالماً الذين ساهموا فى التحرير ما يزيد عن خمسة عشر مصرياً، نذكر منهم: القمص متى المسكين، د. سليمان نسيم، د. جودت جبره، د. منير شكرى، د.مصطفى الفقى، الأستاذ عادل عازر بسطوروس، د. أميل ماهر).
تحتوى الموسوعة على حوالي 2500 موضوعاً من بينها نذكر: مدينة بومينا بمريوط، الفن القبطى، التقويم القبطي، المتحف القبطي، التربية القبطية، رسامة الشمامسة، الأيقونات، القواعد المعمول بها في انتخاب بطريرك كرسي الإسكندرية، كنائس مصر القديمة، تاريخ بطاركة الكرسى المرقسى ابتداءً من القديس مرقس إلى البابا كيرلس السادس البطريرك 116 مروراً على مشاهير الآباء البطاركة الذين كان لهم دور مؤثر في تاريخ الكنيسة القبطية
هكذا تحقق الحلم الذى راود أولا العلاّمة أوريجانوس ثم العسال وعلى يد د. عزيز سوريال عطية أصبح الحلم حقيقة، ودخل الأقباط دائرة العالمية –كما يذكر د. عزيز سوريال – ولن يستطيعوا أن يخرجوا منها. فما أجدر بنا أن نسلك بتدقيق لنكون جديرين بهذه البنوة المُفرحة لأولئك الآباء والأجداد العظام.