باحثو قسم «الألحان والموسيقى القبطية» يكشفون بالمخطوطات أسرار التراث اللحني في المؤتمر الدولي الرابع للدراسات القبطية
18.10.2026 13:02
اخبار الكنيسه في مصر Church news in Egypt
وطني
باحثو قسم «الألحان والموسيقى القبطية» يكشفون بالمخطوطات أسرار التراث اللحني في المؤتمر الدولي الرابع للدراسات القبطية
حجم الخط
وطني

طرح المؤتمر العلمي الدولي الرابع، الذي نظمه معهد الدراسات القبطية بالكاتدرائية المرقسية بالأنبا رويس، على مدار يومي الخميس ٨ أكتوبر والجمعة ٩ أكتوبر ٢٠٢٦، مجموعة واسعة من القضايا البحثية في مجالات متعددة. وشهد قداسة البابا تواضروس الثاني حفل افتتاح المؤتمر، بحضور عدد من الوزراء السابقين والآباء الأساقفة والكهنة ورؤساء الجامعات وأساتذتها وعمداء الكليات، إلى جانب نخبة من الشخصيات العامة والباحثين والمهتمين بالدراسات القبطية.

 

وتنوعت محاور المؤتمر لتشمل علم الاجتماع والتربية، واللغة القبطية والتعليم والهوية وإحياء التراث، والألحان والموسيقى القبطية، والفن والعمارة والآثار القبطية، فضلًا عن القضايا اللاهوتية والاجتماعية والتربوية، والإعلام والذكاء الاصطناعي والتراث الشرقي والعلوم الإنسانية والدراسات الأفريقية.

وفي محور «الألحان والموسيقى القبطية»، الذي انعقد بإشراف مقرر الجلسة الأستاذ الدكتور إيهاب عاطف – رئيس قسم الألحان والموسيقى، تنوعت الدراسات المقدمة بين تتبع تطور التسبحة الكيهكية عبر المخطوطات، ومحاولة استعادة ملامح ألحان تاريخية، وتحليل الأنماط اللحنية المتكررة، ودراسة البناء الموسيقي للقداس الباسيلي، إلى جانب بحث توظيف الألحان القبطية في تعليم العزف على البيانو.

 

١- «الليتورجيا في مرآة المخطوط».. تطور بنية التسبحة الكيهكية في المخطوطات القبطية

هل التسبحة الكيهكية التي نرددها اليوم هي نفسها التي عرفها الأقباط منذ خمسة قرون؟ ومتى اتسع حضور المدائح العربية داخلها؟ وهل تركت الأوزان الشعرية والقوافي أثرًا في التعبير عن المعاني اللاهوتية؟

 

للإجابة عن هذه التساؤلات، عاد القمص الدكتور بطرس البرموسي إلى نحو ستين مخطوطة قبطية، في بحثه المعنون «الليتورجيا في مرآة المخطوط: دراسة تحليلية لتطور بنية التسبحة الكيهكية في المخطوطات القبطية (القرون ١٦–٢٠م)»، متتبعًا ملامح تطور التسبحة خلال الفترة الممتدة من القرن السادس عشر حتى القرن العشرين.

 

وتكشف الدراسة عن ثبات الهيكل الأساسي للتسبحة على مدار خمسة قرون، مقابل التوسع التدريجي في إضافة المدائح العربية، خاصة منذ أواخر القرن التاسع عشر. كما ترصد بعض الاختلافات والإشكاليات التي قد تمس دقة التعبير عن المعاني الإيمانية واللاهوتية.

 

ومن هنا، تبرز قيمة المخطوطات باعتبارها شواهد تاريخية تساعد على فهم تطور الممارسة الليتورجية، وتوضح كيف حافظت التسبحة على بنيتها الأساسية، بينما شهدت بعض عناصرها إضافات وتغيرات عبر الأجيال.

 

٢- لحن «ألليلويا» بالتوزيع الفرايحي الكبير كما دونه «نيولاند سميث» في الفترة من (١٩٢٨–١٩٣٦م)

ماذا يمكن أن تكشفه تدوينة موسيقية يعود تاريخها إلى نحو قرن عن أحد الألحان القبطية؟ وهل يستطيع التحليل الموسيقي أن يساعد في استعادة ملامح أداء قديم، رغم غياب تسجيله الصوتي الأصلي؟

 

انطلاقًا من هذه الإشكالية، قدم الباحث الأستاذ جوزيف خيري فوزي دراسة بعنوان «لحن “ألليلويا” بالتوزيع الفرايحي الكبير كما دونه “نيولاند سميث” في الفترة من (١٩٢٨–١٩٣٦م)»، تناول فيها التدوين الموسيقي الذي وضعه الباحث الإنجليزي نيولاند سميث، وقارنه بالتسجيلات القديمة للمعلم توفيق المحرقي، الذي عاصر المعلم ميخائيل البتانوني، أحد أبرز أعلام الألحان القبطية.

 

واعتمد الباحث على تحليل المقامات والإيقاعات والانتقالات اللحنية، مستعينًا أيضًا بلحن «الشيرات الفرايحي» في محاولة لإعادة تصور ملامح الأداء القديم، في ظل غياب التسجيل الصوتي الأصلي للحن.

 

وتسلط الدراسة الضوء على أهمية التدوينات الموسيقية والتسجيلات التاريخية في توثيق التراث القبطي، كما تبرز الدور الذي يمكن أن يؤديه التحليل الموسيقي في استعادة جوانب من الذاكرة اللحنية للكنيسة، وفتح المجال أمام دراسات جديدة تتناول تطور الأداء الموسيقي عبر الزمن.

 

٣- تحليل الأنماط اللحنية المتكررة في مجموعة مختارة من الألحان القبطية الشائعة

قد تتشابه ألحان كنسية متعددة رغم اختلاف نصوصها ولغاتها ومناسباتها، لكن هل يقتصر هذا التشابه على الجانب الموسيقي، أم يمكن أن يكشف عن روابط تتصل بالمعاني اللاهوتية التي تحملها؟

 

هذا السؤال يمثل مدخلًا إلى البحث الذي قدمه الباحث الأستاذ جون نصري زاخر إقلاديوس بعنوان «تحليل الأنماط اللحنية المتكررة في مجموعة مختارة من الألحان القبطية الشائعة»، حيث تتبع الجملة اللحنية السادسة من لحن «اللي القربان» في اثني عشر لحنًا قبطيًا، مستندًا إلى تسجيلات تاريخية تمتد إلى نحو ثمانين عامًا، حفظ معظمها الدكتور راغب مفتاح.

 

وتكشف الدراسة عن ظهور هذه الجملة اللحنية في ألحان بلغات مختلفة، منها القبطية واليونانية والعبرية، مع ارتباطها في أحد عشر لحنًا منها بفكرة «الذبيحة»، سواء ذبيحة السيد المسيح أو ذبيحة التسبيح.

 

وتفتح هذه الملاحظة المجال أمام قراءة أعمق للعلاقة بين البنية الموسيقية والمضمون اللاهوتي، إذ تتيح مقارنة الأنماط اللحنية البحث في الروابط التي قد تجمع بين ألحان مختلفة في ظاهرها. كما تطرح الدراسة تساؤلات حول دور التكرار اللحني في إبراز المعاني المشتركة داخل التراث الموسيقي القبطي.

 

٤- نظرة متعمقة على البناء الموسيقي للقداس الباسيلي

كيف تتشكل الهوية الموسيقية للقداس الباسيلي؟ وما الخصائص التي تميز ألحانه، وكيف تتكامل أجزاؤه لتصنع بناءً موسيقيًا متناسقًا؟

 

في محاولة للإجابة عن هذه الأسئلة، اتجه الدكتور مايكل حنين إلى دراسة الألحان وتحويلها إلى تدوينات موسيقية قابلة للتحليل، مستندًا إلى تسجيلات المعهد العالي للدراسات القبطية لعام ١٩٧٠، وذلك في بحثه المعنون «نظرة متعمقة على البناء الموسيقي للقداس الباسيلي».

 

ووفقًا لما توصل إليه الباحث، يتكون القداس الباسيلي من سبعة أجزاء موسيقية متميزة، لكل منها خصائصه اللحنية، بينما تتكامل هذه الأجزاء لتشكل بناءً موسيقيًا مترابطًا.

 

وتبرز أهمية هذه الدراسة في اعتمادها على التحليل والتدوين الموسيقيين لفهم مكونات أحد أهم القداسات في الكنيسة القبطية الأرثوذكسية. فبدلًا من الاكتفاء بالاستماع إلى الألحان، تتيح الدراسة تفكيك عناصرها الموسيقية ورصد العلاقات بينها، بما يسهم في توثيق خصائصها وإثراء الدراسات المتخصصة في الموسيقى القبطية.

 

٥- فاعلية دراسة لحن «إريبسالين» من ألحان الكنيسة الأرثوذكسية والاستفادة منه في تنمية مهارات العزف على آلة البيانو للمبتدئين

كيف يمكن توظيف الألحان القبطية في تعليم الموسيقى؟ وهل يمكن للتراث اللحني الكنسي أن يقدم مادة عملية تساعد المبتدئين على اكتساب المهارات الأساسية للعزف على البيانو؟

 

من هذا المنطلق، تناولت الباحثة الأستاذة مريم القس أبانوب لويس في بحثها المعنون «فاعلية دراسة لحن “إريبسالين” من ألحان الكنيسة الأرثوذكسية والاستفادة منه في تنمية مهارات العزف على آلة البيانو للمبتدئين» إمكانات الاستفادة من الألحان القبطية في تطوير أساليب تعليم العزف، مع توظيف لحني «غولغوثا» و«إبصالي» في تدريب الدارسين.

 

وتركز الدراسة على مجموعة من المهارات الأساسية، من بينها التنسيق بين اليدين، وضبط الإيقاع، وتحسين الأداء الموسيقي، بما يتيح الاستفادة من التراث اللحني في تقديم خبرات تعليمية تجمع بين التدريب الفني والتعرف على الموروث القبطي.

 

وتتجاوز أهمية هذا التوجه حدود التدريب على آلة موسيقية؛ إذ يطرح إمكانات جديدة لربط الأجيال الناشئة بتراثها الفني والروحي، من خلال تقديم الألحان القبطية في سياقات تعليمية معاصرة، مع الحفاظ على قيمتها الثقافية والتاريخية.

 

وتكشف الأبحاث الخمسة عن تنوع المداخل العلمية لدراسة الألحان والموسيقى القبطية؛ فبينما تعيد المخطوطات رسم ملامح تطور التسبحة الكيهكية، تسهم التدوينات التاريخية في استكشاف الألحان القديمة، ويقدم التحليل الموسيقي أدوات لفهم الأنماط المتكررة والبناء اللحني للقداس، في حين تفتح التطبيقات التعليمية آفاقًا جديدة للاستفادة من هذا التراث. وهكذا تتكامل جهود التوثيق والتحليل والتعليم في خدمة الذاكرة الموسيقية للكنيسة القبطية وصونها للأجيال المقبلة.

 

 

 

 

 

اترك تعليقا
تعليقات
Comments not found for this news.